البحار تتحرَّك وتَسكُن وتُحفَظُ بأمرِ وقوةِ مَن له مُطلَقُ العظمة والقدرة

البحارَ مع أنها مائجةٌ موَّارةٌ بالحياة على الدوام، ومع أن من شأنها خِلقةً الانسكابَ والانسياحَ والاجتياحَ، ومع أنها قد أحاطت بالأرض فأُجرِيتا معًا في دائرةٍ مقدارها خمسٌ وعشرون ألف سنة، تقطعُها الأرضُ في سنةٍ واحدةٍ بغاية السرعة؛ إلا أنها مع كلِّ هذا لا تسيح ولا تنسكب ولا تطغى على جارتها اليابسة؛ ما يعني أنها تتحرَّك وتَسكُن وتُحفَظُ بأمرِ وقوةِ مَن له مُطلَقُ العظمة والقدرة.

أما جوف البحار ففيها جواهر بغايةِ الجمال والزينة والإتقان، فضلًا عن ذلك ففيها انتظامًا عظيمًا في إعاشةِ آلافِ أنواع الحيوانات وإدارتها، وتولُّداتِها ووَفَيَاتِها، وكمالًا بديعًا في تأمين أرزاقها ومخصَّصاتها من خلالِ رملٍ بسيطٍ وماءٍ أُجاج، ما يُثْبِتُ بالبداهة أنها إدارةٌ وإعاشةٌ من قديرٍ ذي جلال، رحيمٍ ذي جمال.

أما الأنهار، فمنافعها ووظائفها ووارداتها وصَرْفِيَّاتها على قَدْرٍ عظيمٍ من الحكمة والرحمة، بحيث تُثْبتُ بداهةً أن جميع الجداول والعيون والغُدران والأنهار الكبيرة إنما تنبع وتجري من خزينةِ رحمةِ الرحمن ذي الجلال والإكرام؛ بل تُدَّخَر وتُصْرَف بنحوٍ يفوق المألوف حتى رُوي أن «أربعة أنهارٍ تجري من الجنة»([1])، بمعنى أن هذه الأنهار لكونها فوق الأسباب الظاهرة بكثير، لا بدَّ أنها تنبُعُ من خزينةِ جنةٍ معنوية، وتجري من فيضِ منبعٍ غيبيٍ لا يَنضُب.

فمثلًا النيلُ المبارَكُ الذي حوَّل صحراء مصر إلى جنة، ينبع من الجنوب من جبلٍ يدعى «جبل القمر»، ويجري بلا انقطاعٍ كبحرٍ صغير، فلو أن صَرْفيَّاته في ستة أشهرٍ جُمِعتْ وجُمِّدتْ لكانت أعظم من ذلك الجبل، مع أن حيِّزَها منه ومخزنها فيه لا يبلغان سُدُسَه!

أما وارداته فلا يُخزَن في مخازنه إلا اليسيرُ من مياه الأمطار، لشحِّها في تلك المنطقة الحارة، ولشدة عطش أراضيها التي سُرعان ما تمتصُّ الماء؛ فلا يمكن للمطر البتَّةَ أن يحافظ على ذلك التوازن الواسع بين الواردات والصَّرْفيَّات؛ ولهذا فإن الرواية التي تفيد أن النيل المبارك ينبع من جنةٍ غيبيةٍ فوق العادات الأرضيَّة([2]) تُعبِّرُ عن حقيقةٍ في غايةِ المعنى والجمال.

وهكذا نرأى من البحار والأنهار شهادةً واحدةً وحقيقةً واحدةً من بين آلاف الشهادات والحقائق العظيمة كالبحار؛ ونعي أن عمومها يُردِّدُ بالإجماع وبقوةِ عِظَمِ البحار: لا إله إلا هو، وأنها تُبرِز على هذه الشهادة شهودًا بعدد مخلوقات البحار.

وتعبيرًا عن معنى شهاداتِ البحار والأنهار ذُكِر في المرتبة الرابعة من المقام الأول:

لا إله إلا الله الواجبُ الوجود، الذي دَلَّ على وجوبِ وجوده في وَحدته جميعُ البحارِ والأنهار بجميعِ ما فيها، بشهادةِ عَظَمَةِ إحاطةِ حقيقةِ التسخيرِ والمحافظةِ والادِّخارِ والإدارة الواسعةِ المنتظَمةِ بالمشاهدة.

اقتباسات من رسالة الآية الكبرى بتصرف

([1]) الحديث أخرجه أحمد في مسنده برقم 7535 ولفظه: «فُجِّرَتْ أربعةُ أنهارٍ من الجنة، الفرات والنيل وسَيْحان وجَيْحان»، وصححه أحمد شاكر، وأصله في صحيح  مسلم، في كتاب صفة الجنة؛ هـ ت.

([2]) جاء في حديث الإسراء والمعراج في الصحيحين أنه ﷺ رأى عند سدرة المنتهى أربعة أنهار، «نهران ظاهران ونهران باطنان، فقلتُ: يا جبريل، ما هذه الأنهار؟ فقال: أما النهران الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات»؛ صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، صحيح مسلم، كتاب الإيمان؛ هـ ت

1351 مرة

نفس المواد


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *