بديع الزمان سعيد النورسي بقلم العالم الجليل علي عُلْوي قُوروجو

حين يقرأ الإنسان سِيَرَ العظماء، ويطالع مناقبهم الرفيعة، ويتأمَّل في ذكرياتهم الأثيرة، يخالجه شعورٌ بأنه يدخل عالَمًا آخر، حيث تُلْهِبُ شُعلةٌ عُلْويةٌ فؤادَه بأحاسيس المحبة الصافية، ويَغمر الفيضُ الإلهي كيانَه.

ولقد حَفِظَ لنا التاريخ رجالًا يتضاءل أمام عظمتهم العظماء.. هم أبطالُ التاريخ ومفاخرُه، ما إنْ يُذكَروا حتى تسموَ الروح عن الأرض لتُحلِّقَ في عوالمَ رحيبة، ويَلُفَّها من الأعماق ألفُ شذًى، كأنها تشُقُّ طريقًا في خميلةِ وردٍ من عالَم الجِنان.

وإنني بعد أن أمعنتُ النظر مدقِّقًا في شخصية هذا الرجل العظيم، ودراسةِ كتبه، والتعرُّفِ إلى طلابه، وبعدَ أن عشتُ في عالَم النور هذا حِسًّا وفكرًا وروحًا؛ أدركتُ حقيقةً بعيدةَ الغَور عبَّر عنها قديمًا شاعرٌ عربي بقوله:

وليس على الله بمُسْتَنْكَرٍ      أن يَجمع العالَم في واحدِ

ولا عجب من أن نرى المنجذبين إلى فَلَكِ هذا القطب يزدادون يومًا بعد يوم، فقد نهلوا من سُموِّ غايته، ورِفعة دعوته، وعَظَمَةِ إيمانه الإلهامَ والمدد، وما يزال هذا الحَدَثُ الربَّانيُّ الجليل المحيِّرُ للعقول يبعث السرور والانشراح ويُديمهما في قلوب المؤمنين، مثلما يَحزُن المنكرين ويَقهَرهم.

ويعبِّرُ أحد المجاهدين الكبار تعبيرًا يبعث الوجد في حنايا الأفئدة عن هذا الحَدَث الإلٰهيِّ الماثل حيًّا في القلوب المؤمنة كأنه رابطةٌ معنويةٌ، فيقول: «حين طغى الابتذال الخُلُقي في تلك الأيام الحالكة، وعَمَّ كلَّ جهةٍ كالطوفان، ومدَّ يدَه ليُغرِق كلَّ فضيلة.. كان فيضُ بديع الزمان يسري من قلبٍ إلى قلبٍ كَسِرٍّ دفَّاقٍ لا يقاوَم، فنجد فيه السُّلوان.. لقد أظلمتْ ليالينا كثيرًا، ومتى اشتدت ظلمةُ الليالي كان بزوغُ فجرِها وشيكًا».

ولم يقف الأمرُ عند هذا الحدِّ، بل سرعان ما بدأت الملاحقاتُ الإدارية والقضائية المشدَّدة، وتوالَتْ عليه صنوفُ التحقيقاتِ الصارمة والمحاكمات الطويلة المتعاقبة.

وفي نهاية المطاف، وبعد أن تبيَّن أن هذا التجلِّيَ الإلهي ليس سوى صرحِ إيمانٍ وعِرفانٍ شُيِّدَ في عالم القلوب؛ ظهرت النتيجةُ عدالةً مشخَّصةً أو برهانًا إلهيًّا، عنوانها: «براءة بديع الزمان سعيدٍ النُّورْسِيّ ومؤلفاتِه رسائلِ النور».

وأُعلِن هذا القرار رسميًّا، لتسطع حقيقة السُّنَن الإلٰهية التي لا تبديل لها شمسًا مشرقةً على الدوام من الأزل إلى الأبد، متجلِّيةً في غلَبة الروح على المادة، وانتصارِ الحق على الباطل، والنور على الظلام، والإيمان على الكفر.

*            *            *

إن أصدق معيارٍ يبيِّن حقيقةَ أيِّ مصلحٍ في بيئةٍ ما ويكشِف عن مدى صدقه وإخلاصه، هو التغيرات والفروقات التي تَظهر في حياته الشخصية والاجتماعية والروحية والمادية بعد نجاح دعوته، مقارَنةً بما كان عليه في أيامها الأولى.

فلْننظُر مثلًا في سيرة هذا الرجل في الأيام الأولى من دعوته: إنه رجلٌ متواضعٌ مَهيبٌ، مُؤْثِرٌ على نفسه مُضَحٍّ متفانٍ، مضرِبُ المثل في الجدِّيّة والنقاء والخُلُق والفضيلة، إنه باختصار شخصيةٌ في أعلى درجات التميز والطُّهر.

ثم لْننظُر في سيرته بعد أنِ انتصر في جهاده، وتبوَّأ المكانة المرموقةَ في القلوب والأرواح والمشاعر، هل سيَبقى نقيًّا وأنموذجًا يُحتذى كما عَهِدناه؟ أم يُصبِح كآخرين كُثْرٍ، أخذتْهم نشوة الانتصار، وحَسِبوا أنفسهم عظماء، فلم تعُد تسعُهم أرضٌ ولا سماء!!

أجل، إن هذا هو أجلى مرآةٍ تعكس شخصيةَ صاحبِ أيَّةِ دعوة، وتُجلِّي هُويَّتَه بأوضح صورة، وتُفصِح عن حقيقةِ دعوته وماهيَّتِها صغيرةً كانت أو كبيرة.

إن أكثر ما يأسرني في علمه وأخلاقه وأدبه وفضائله ومزاياه الجمَّة: إيمانُه الراسخ رسوخ الجبال، العميق عمق البحار، السامي الرَّحب كالسماوات!

يا إلهي ما أعظمه من إيمان!! يالَه من صبرٍ لا ينفَد!! يالها من إرادةٍ صلبةٍ كالفولاذ!! ثم بالرغم من كل هذا العَسْف والتهديد وألوان الأذى والآلام التي يرتعد لذكرها الخيال.. بعدَ هذا كلِّه.. ياله من رأسٍ أشَمَّ لا ينحني!! وياله من صوتٍ هادرٍ لا يَـخْـفُت!! وياله من نَفَس لا يهدأ!!

أجل، إنَّ قلبًا تنوَّر بنور الله.. أيُّ غيومٍ يمكنها أن تُلبِّد آفاقَه؟!

وإنَّ روحَ عبدٍ غَمَرتْها سعادةُ الأنس بالله في كلِّ آنٍ.. أيَّةُ آمالٍ ورغباتٍ فانية، أم أيَّةُ حفاوةٍ وعطايا زائلة، بل أيَّةُ غاياتٍ ومطامعَ دنيَّةٍ يمكن أن تمنحها الطمأنينة أو السكينة أو السُّلوان؟!

إن بديع الزمان شخصيةٌ مبارَكةٌ، ومَظهَرُ عنايةٍ ربّانيةٍ فريدة، لقد غدتْ عنده زنازينُ السجن روضاتٍ يشاهِد منها آفاق العوالم الأبديَّة النيِّرة، وانقلبتْ أعوادُ المشانق منابرَ وعظٍ وإرشادٍ يلقي منها على أسماع الإنسانية دروسَ الصبر ورباطة الجأش والثبات والجَلَد في سبيل غايةٍ عُلوية، وتحوَّلت السجون -واحدًا تلو الآخر- إلى مدارسَ يوسفية، يدخلها كما يدخل أستاذٌ كبيرٌ الجامعةَ لإلقاء محاضرة؛ ذلك أن مَن فيها من السجناء هم طلابُه المحتاجون إلى فيضه وإرشاده.

أجل.. إن لكل مؤمنٍ حظَّه من الأُنس والحضور والخشوع والفيض والتجرُّد والاستغراق، وكلٌّ ينهَل من هذا الفيض الإلٰهي بحسَب إيمانه وعرفانه، وبحسَب صلاحه وتقواه، وبحسَب استمداده ومعنوياته؛ غير أن هذا الحال الرفيع والوصال الجميل والعطاء الفريد مستمرٌّ على الدوام لأولئك المجاهدين العظام أرباب الإحسان المذكورين في الآية الكريمة، فلهذا لا يقعون في غفلةِ نسيان المولى سبحانه، بل هم طَوالَ عمرهم في مواجهةٍ مع نفوسهم كالأُسود؛ تسجِّلُ كلُّ لحظةٍ من حياتهم أسمى ذكرياتِ الترقي والتكمُّل، فينصهر وجودهم وكيانهم برضى رب العالمين المتصف بصفات الجلال والجمال والكمال.

فاللهم ألحقنا بتلك الزمرة السعيدة؛ آمين.

من مقدمة كتاب سيرة بديع الزمان سعيد النورسي بلسانه وأقلام تلامذته

1677 مرة

نفس المواد


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *