لماذا ترفض الشريعةُ الإسلامية هذه المدنيِّة (الحضارة الغربية)؟

لماذا ترفض الشريعةُ هذه المدنيِّة؟([1])

قلت: لأنها قامت على خمسةِ أسسٍ فاسدة:

فنقطةُ استنادها القوة، وشأنُها العدوان.

وهدفُها وقصدُها المصلحة، وشأنها التزاحُم.

ودستورها في الحياة الصراع، وشأنُه التنازع.

أما روابط المجموعات البشرية لديها فالعنصريةُ والقوميةُ الضارَّة، وهما مُفضيتان إلى ابتلاع الآخرين، وشأنهما الصِّداماتُ الرهيبة.

وأما مهمتها الجذَّابة فتشجيعُ الهوى والهوس، وتلبيةُ رغباتهما، وتسهيلُ مطالبِهما، وشأن الهوى الانحطاطُ بمقام الإنسانية من درجة المَلَكية إلى درَكَة الكَلْبية، بحيث يُفضي إلى مسخ الإنسان مسخًا معنويًّا؛ فلو أن معظم أبناء هذه المدنيَّة انقَلَبَ باطنُهم ظاهرًا، لتناهتْ إلى الخيال صورُهم في إهابِ الذئب أو الدب أو الأفعى أو الخنزير أو القرد.

وهكذا، فهذه المدنيَّة المعاصرة قد أوقعتْ ثمانين بالمئة من الناس في المشقة والشقاء، وأعطتْ عشرةً بالمئة منهم سعادةً وهميَّة، وتركت العشرةَ بالمئة المتبقين بين هؤلاء وهؤلاء.

وإنما تكون السعادةُ سعادةً إذا كانتْ للكلِّ أو للأكثر، أما هنا فإنها لأقل القليل، ولا يقبل القرآن الذي هو رحمةٌ للبشرية مدنيّةً لا تتضمَّن سعادةَ الجميع، أو سعادةَ الأكثرية على الأقل.

ثم إنه مع سيطرةِ الهوى المنفلت من عقاله أصبحت الحاجاتُ غير الضرورية في حكم الضرورية؛ فبينما كان الإنسان في زمن البداوة محتاجًا إلى أربعة أشياء، إذا بالمدنية تجعله محتاجًا إلى مئة حاجة، فتُردِيه فقيرًا مُعوِزًا؛ وبما أن عمل المرء لم يعد كافيًا لسدِّ نفقاته فقد ساقتْه إلى طريق الحيلة والحرام، فأفسدت أساسَ الأخلاق لديه.

ثم إنها أعطتِ الجماعةَ ثروةً، وأضفَتْ على النوعِ أبهةً، لكنها بالمقابل جعلت الأشخاصَ والأفراد فقراء مُعْوِزين بلا أخلاق.

لقد قاءتْ هذه المدنيَّة في دفعةٍ واحدة جميعَ ما في القرون الأولى من بدائيَّةٍ وهمجيةٍ وتوحُّش؛ وإن إحجام العالم الإسلامي عن هذه المدنية وفتورَه تجاهها وتردُّدَه في قبولها لَأمرٌ يلفت الانتباه؛ ذلك أن الهداية الإلهية التي في الشريعة، والتي تمتاز بخاصية الاستقلال والاستغناء، لا يمكن أن تُطَعَّمَ بدهاءِ فلسفةِ روما أو تمتزج بها، فضلًا عن أن تَتَّبِعها أو تستطيعَ تلك الفلسفةُ ابتلاعَها!!

لقد حافظتْ كُلٌّ من روما واليونان القديمتين بدهائهما على استقلاليَّتهما على مرِّ القرون، بالرغم من أنهما نشأتا توأمَين من أصلٍ واحد، وبالرغم من محاولات المدنيَّة والمسيحيَّةِ المزج بينهما، فبقيتا كأنهما الماء والزيت، وما زالتا كذلك حتى الآن كأنهما روحان انتقلتا بالتناسخ لتعيشا في صورتين مختلفتين.

فإذا كانت هاتان لا تمتزجان رغم كونهما توأمين ورغم وجود أسباب الامتزاج، فإن نور الهداية الذي هو روح الشريعة لا يمكن بحالٍ أن يُمزَج أو يُبْتَلع بدهاءِ روما الذي هو أساس المدنيَّة الملوَّثة المظلمة.

سعيد النورسي

([1]) مقصودنا محاسنُ المدنية وفضائلُها التي عادتْ على البشرية بالنفع، لا سيئاتُها وآثامُها التي ظَنَّها الحمقى حسناتٍ، فراحوا يقلِّدونها حتى أوردونا المهالك؛ وإنه برُجحان سيئاتِ هذه المدنية على حسناتها وغَلَبةِ آثامها على فضائلها، تلقَّت البشريةُ صفعتين مروِّعتَين في حربين عالميتين جَعَلَتا عاليَ تلك المدنيَّة الآثمة سافلَها، حتى تقيَّأتْها البشريَّةُ دمًا لطخت به وجه الأرض، لكنْ ستتغلبُ في المستقبل إن شاء الله محاسنُ المدنيَّة بقوةِ الإسلام، فتطهِّرُ وجهَ الأرض من أدرانها، وتُحقِّقُ السِّلْم العالَمي؛ سعيد.

من كتاب

سيرة بديع الزمان سعيد النورسي

بلسانه وأقلام تلامذته

1235 مرة

نفس المواد


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *