اللوامع «من بين هلال الصوم وهلال العيد»

تنبيه[1]

لم أَقْدُرِ النَّظْمَ والقافِيةَ قَدْرَهُما، لِعَدَمِ مَعرِفَتِي بهما، فالمَرءُ عَدُوٌّ لِما جَهِلَ.

ولم أَشَأْ قَطُّ تَغيِيرَ صُورةِ الحَقِيقةِ لِتُوافِقَ أَهواءَ القافِيةِ، نَظِيرَ «التَّضحِيةِ بصافيةِ فِداءٍ للقافِيةِ»[2]، ولِأَجلِ هذا فقد أَلبَستُ أَسمَى الحَقائِقِ أَرْدَأَ المَلابِسِ في هذا الكِتابِ الخالي مِنَ القافِيةِ والنَّظْمِ. وذلك:

أوَّلًا: لِأَنَّني لا أَعلَمُ أَفضَلَ مِن هذا، فكُنتُ أَحصُرُ فِكْرِي في المَعنَى وَحْدَه، دُونَ اللَّفْظِ.

ثانيًا: أَرَدتُ أن أُبيِّنَ بهذا الأُسلُوبِ نَقْدِي لِأُولَئك الشُّعَراءِ الَّذين يَنحِتُون الجَسَدَ لِيُوافِقَ اللِّباسَ!

ثالثًا: أَرَدتُ إشغالَ النَّفْسِ أَيضًا بالحَقائِقِ العاليةِ معَ انشِغالِ القَلبِ بها في هذا الشَّهْرِ المُبارَكِ، شَهرِ رَمَضانَ.

ولِأَجلِ هذه الأَسبابِ اختِيرَ هذا الأُسلُوبُ الشَّبِيهُ بأَسالِيبِ المُبتَدِئِين.

ولَكِن أيُّها القارِئُ الكَرِيمُ.. لَئِن كُنتُ قد أَخطَأتُ ــ وأَنا أَعتَرِفُ به ــ فإيّاك أن تُخطِئَ فتَنظُرَ إلى الأُسلُوبِ المُتَهَرِّئِ ولا تُنعِمَ النَّظَرَ في تلك الحَقائِقِ الرَّفِيعةِ، ومِن ثَمَّ تُهَوِّنَ مِن شَأْنِها.

إيضاحٌ

أيُّها القارِئُ الكَرِيمُ.. إنَّني أَعتَرِفُ سَلَفًا بضَجَرِي مِن فَقْرِ قابِلِيَّتي في صَنْعةِ الخَطِّ وفَنِّ النَّظْمِ، إذ لا أَستَطِيعُ الآنَ حتَّى كِتابةَ اسمِي كِتابةً جَيِّدةً، ولم أَتَمكَّنْ طَوالَ حَياتي مِن نَظْمِ بَيتٍ واحِدٍ أو مِن وَزْنِه؛ ولكِن ــ وعلى حِينِ غِرّةٍ ــ أَلَحَّتْ على فِكْرِي رَغبةٌ قَوِيّةٌ في النَّظْمِ، وقد كانَت رُوحِي تَرتاحُ لِما في كِتابِ «قول نوالا سيسيبان»[3] مِن نَظْمٍ فِطْرِيٍّ عَفْوِيٍّ على نَمَطِ مَدائِحَ تَصِفُ غَزَواتِ الصَّحابةِ الكِرامِ رِضوانُ اللهِ علَيهم؛ فاخْتَرتُ لِنَفسِي طِرازَ نَظْمِه، وكَتَبتُ نَثْرًا شَبِيهًا بالنَّظْمِ، ولم أَتكَلَّفْ للوَزنِ قِطَعًا، فلْيَقْرَأْه مَن شاءَ نَثْرًا قِراءةً سَهْلةً دُونَ تَذَكُّرِ النَّظْمِ والِاهتِمامِ به، بل علَيه أن يَعُدَّه نَثْرًا لِيَفهَمَ المَعنَى، إذ هناك ارتِباطٌ في المَعنَى بينَ القِطَعِ، وعلَيه ألَّا يَتَوقَّفَ في القافيةِ[4]؛ فكما تكُونُ الطّاقِيّةُ والطُّربُوشُ بلا شُرّابةٍ، كذلك يكُونُ الوَزنُ أيضًا بلا قافِيةٍ، والنَّظمُ بلا قاعِدةٍ، بل أَعتَقِدُ أنَّه لو كان اللَّفظُ والنَّظمُ جَذّابَينِ صَنْعةً يَشغَلانِ فِكْرَ الإنسانِ بهما ويَشُدّانِه إلَيهِما، فالأَولَى إذًا أن يكُونَ اللَّفظُ بَسِيطًا مِن غيرِ تَزوِيقٍ لِئَلّا يُصرَفَ النَّظَـرُ إلَيه.

إنَّ أُستاذِي ومُرشِدِي في هذا الكِتابِ: القُرآنُ الكَرِيمُ.. وكِتابي الَّذي أَقرَؤُه: الحَياةُ.. ومُخاطَبِي الَّذي أُوَجِّهُ له الكَلامَ: نَفسِي..أمّا أنتَ أيُّها القارِئُ العَزِيزُ، فمُستَمِعٌ ليس إلّا، والمُستَمِعُ لا يَحِقُّ له الِانتِقادُ، بل يَأْخُذُ ما يُعجِبُه ولا يَتَعرَّضُ لِما لا يُعجِبُه.

ولَمّا كان كِتابي هذا نابِعًا مِن فَيضِ الشَّهرِ الكَرِيمِ، شَهرِ رَمَضانَ المُبارَكِ،[5] فإنَّني آمُلُ أن يُؤَثِّرَ في قَلبِ أَخِي في الدِّينِ، فيُهدِيَ لي بظَهْرِ الغَيبِ دُعاءً بالمَغفِرةِ أو قِراءةَ سُورةِ الفاتِحةِ.

([1]) ملاحظة: هذا الدِّيوان الشَّبِيه بالمَنظُوم هو آخِرُ ما ألَّفَه «سَعِيدٌ القَدِيمُ» وطَبَعه ونشَره في سنة 1337 (1921م)، وبعد تأليفِه لرسائلِ النُّورِ وانتِشارِها، أَوصَى تلاميذَه أن يُلحِقُوه بمجموعةِ «الكَلِمات» بعد حَذْفِه أبحاثًا وفِقْراتٍ منه. وفي أوائلِ الخَمسِينات وَضَع هوامِشَ جديدةً وأمَر بنَشرِه على هذه الصُّورةِ النِّهائية.

([2]) مَثَلٌ تُركيٌّ: يُحكَى أنَّ رجلًا كان يَقرِضُ الشِّعرَ ضَحَّى بزَوجَتِه المُسَمّاةِ «صافية» وطَلَّقَها كي تَستَقِيمَ قافيةُ شِعْرِه.

([3]) قَصِيدةٌ طويلةٌ تَنُوف على أربعِ مِئةِ بَيتٍ في وَصفِ غَزَواتِ الصَّحابةِ الكِرامِ، باللُّغةِ الكُرديّةِ الكَرَمانجِيّةِ الشَّماليّة، نَظَمها المُلّا خالد آغا الزِّيبارِيُّ المعروفُ بزُهدِه وتقواه.

([4]) ولقد وفَّقَنا اللهُ لِتَرجمةِ هذا الدِّيوانِ الرّائِعِ نَثْرًا أيضًا مُكتَفِين بالمَعنَى دُونَ القافيةِ أوِ اللَّفظِ.

([5]) حتَّى إنَّ تاريخَ تأليفِه ظَهَر في العِبارةِ الآتيةِ: «نَجمُ أَدَبٍ وُلِد لِهِلالَي رَمَضانَ» مَجمُوعُ أَرقامِه: (1337). (المُؤلِّف).

68 مرة


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *