بيانُ الطُّرُق الثَّلاثِ المُشارِ إليها في خِتامِ سُورةِ الفاتِحةِ

بيانُ الطُّرُق الثَّلاثِ المُشارِ إليها في خِتامِ سُورةِ الفاتِحةِ

يا أَخِي، يا مَنِ امتَلَأَ صَدرُه بالأَمَل المُشرِقِ.. أَمسِكْ خَيالَك في يَدِك، وتَعالَ معي.. نحنُ الآنَ في أَرضٍ واسِعةٍ، نَنظُرُ إلى جَوانبِها، دُونَ أن يَرانا أَحَدٌ، ولكِن أُلقِيَ علَينا غَيمٌ أَسوَدُ مُظلِمٌ، فهَبَط على جِبالٍ شُمٍّ، حتَّى غَطَّى وَجْهَ أَرضِنا بالظُّلُماتِ، بل كأنَّه سَقْفٌ صُلْبٌ كَثِيفٌ.. إلَّا أنَّه سَقْفٌ تُرَى الشَّمسُ مِن جِهَتِه الأُخرَى.

ولكِنَّنا نحنُ تحتَ ذلك الغَيمِ الكَثِيفِ، لا نَكادُ نَطِيقُ ضِيقَ الظُّلُماتِ، ويَخنُقُنا الضَّجَرُ والِانقِباضُ، ففِقْدانُ الهَواءِ مُمِيتٌ!

وإذ نحنُ في هذه الحالةِ مِنَ الضِّيقِ الخانِقِ انفَتَحَت أَمامَنا ثَلاثُ طُرُقٍ تُؤَدِّي إلى ذلك العالَمِ المُضِيءِ، ولقد أَتَيتُه مُرّةً وشاهَدتُه مِن قَبلُ، فمَضَيتُ مِنَ الطُّرُقِ الثَّلاثِ، كلٍّ على انفِرادٍ:

الطَّريقُ الأُولَى: مُعظَمُ النّاسِ يَمُرُّون مِنها، فهي سِياحةٌ حَولَ العالَمِ، والسِّياحةُ تَشُدُّنا إلَيها.. فها نحنُ نَدرُجُ في الطَّرِيقِ نَسِيرُ مَشْيًا على الأَقدامِ.. فها تُجابِهُنا بِحارُ الرِّمالِ في هذه الصَّحراءِ الواسِعةِ.. انظُرْ كيفَ تَغضَبُ علَينا، وتَستَطِيرُ غَيْظًا وتَزجُرُنا زَجْرًا.. وانظُرْ إلى أَمواجٍ كالجِبالِ لِهذا البَحرِ العَظِيمِ.. إنَّها تَحتَدُّ علَينا وها نحنُ في الجِهةِ الأُخرَى.. والحَمدُ للهِ، نَتنَفَّسُ الصُّعَداءَ.. نَرَى وَجْهَ الشَّمسِ المُضِيءَ، ولكِن لا أَحَدَ يُقَدِّرُ مَدَى ما قاسَيْنا مِن أَتعابٍ وآلامٍ.

ولكِن وا أَسَفَى! لقد رَجَعْنا مَرّةً ثانِيةً إلى هذه الأَرضِ المُوحِشةِ الَّتي أَطبَقَت علَيها الغُيُومُ بالظُّلُماتِ ونحنُ أَحوَجُ ما نكُونُ إلى عالَمٍ مُضِيءٍ يَفتَحُ بَصِيرَتَنا.

إن كُنتَ ذا شَجاعةٍ فائِقةٍ فرافِقْني في الطَّرِيقِ المَلِيئةِ بالمَخاطِرِ، سنَخُوضُها بشَجاعةٍ.

وهي طَرِيقُنا الثّانيةُ: نَثقُبُ طَبِيعةَ الأَرضِ، نُنَقِّبُ فيها لِنَنفُذَ ونَبلُغَ الجِهةَ الأُخرَى.. نَمضِي في أَنفاقٍ فِطْرِيّةٍ في الأَرضِ والخَوْفُ يُحِيطُنا.. فلَقد شاهَدتُ ــ في زَمَنٍ مّا ــ هذه الطَّرِيقَ ومَضَيتُ فيها بوَجَلٍ واضْطِرابٍ، ولكِن كانَت في يَدِي آلةٌ أو مادّةٌ تُذِيبُ أَرضَ الطَّبِيعةِ وتَخرِقُها وتُمَهِّدُ السَّبِيلَ.. تلك المادّةٌ أَعطانيها القُرآنُ الكَرِيمُ في الطَّرِيقِ الثّالثةِ.

يا أَخي، لا تَترُكْني. اتْبَعْني. لا تَخَفْ أَبدًا. انظُرْ فها أَمامَك كُهُوفٌ ومَغاراتٌ كالأَنفاقِ تحتَ الأَرضِ، تَنتَظِرُنا وتُسَهِّلُ لنا الطَّرِيقَ إلى الجِهةِ الأُخرَى.

لا تُرَوِّعْك صَلابةُ الطَّبِيعةِ، فإنَّ تحتَ ذلك الوَجهِ العَبُوسِ القَمْطَرِيرِ وَجْهَ مالِكِها الباسِمِ.. إنَّ تلك المادّةَ القُرآنيّةَ مادّةٌ مُشِعّةٌ كالرّادْيُوم.

بُشراك يا أَخي، فلَقد خَرَجْنا إلى العالَمِ المُنَوَّرِ.. انظُرْ إلى الأَرضِ الجَمِيلةِ، والسَّماءِ اللَّطِيفةِ المُزَيَّنةِ.. ألا تَرفَعُ رَأْسَك يا أَخي لِتُشاهِدَ هذا الَّذي غَطَّى وَجْهَ السَّماءِ كُلِّها وسَما علَيها وعلى الغُيُومِ. إنَّه القُرآنُ الكَرِيمُ.. شَجَرةُ طُوبَى الجَنّةِ.. مَدَّت أَغصانَها إلى أَرجاءِ الكَونِ كُلِّه. وما علَينا إلَّا التَّعَلُّقُ بهذا الغُصنِ المُتَدلِّي والتَّشَبُّثُ به، فهو بقُربِنا لِيَأخُذَنا إلى هناك.. إلى تلك الشَّجَرةِ السَّماوِيّةِ الرَّفيعةِ.

إنَّ الشَّرِيعةَ الغَرّاءَ نَمُوذَجٌ مُصَغَّـرٌ مِن تلك الشَّجَرةِ المُبارَكةِ.

فلَقد كان باستِطاعَتِنا إذًا بُلُوغُ ذلك العالَمِ المُضِيءِ بتلك الطَّرِيقِ.. طَرِيقِ الشَّرِيعةِ، مِن دُونِ أن نَرَى صُعُوبةً وكَلَلًا.

بَيْدَ أنَّنا أَخْطَأْنا السَّيرَ، فلْنَرجِعِ القَهْقَرَى إلى ما كُنّا فيه لِنَسلُكَ الطَّرِيقَ المُستَقِيمَ.. فانظُرْ فها هي:

طَرِيقُنا الثّالثةُ: الدّاعِيةُ العَظِيمُ يَقِفُ مُنتَصِبًا على هذه الشَّواهِقِ الرّاسِيةِ.. إنَّه يُنادِي العالَمَ كُلَّه مُؤَذِّنًا بـ«حَيَّ هَلَوا إلى عالَمِ النُّوِر».. إنَّه يَشتَرِطُ علَينا الدُّعاءَ والصَّلاةَ.. إنَّه المُؤَذِّنُ الأَعظَمُ مُحمَّدٌ الهاشِمِيُّ ﷺ.

انظر إلى هذه الجبال.. جبال الهدى، وقد اخترقت الغيوم، إنها تناطح السماوات.

وانظُرْ إلى جِبالِ الشَّرِيعةِ الشّاهِقةِ، إنَّها جَمَّلَت وَجْهَ أَرضِنا وأَزهَرَتْها؛ وعلَينا أن نُحَلِّقَ بالهِمّةِ لِنَرَى الضِّياءَ هناك ونَرَى نُورَ الجَمالِ.

نعم، فها هنا.. أُحُدُ التَّوحِيدِ.. ذلك الجَبَلُ الحَبِيبُ العَزِيزُ.

وها هناك.. جُودِيُّ الإسلامِ.. ذلك الجَبَلُ الأَشَمُّ.. جَبَلُ السَّلامةِ والِاطمِئنانِ.

وها هو جَبَلُ القَمَرِ، القُرآنُ الأَزهَرُ.. يَسِيلُ مِنه زُلالُ النِّيلِ. فاشْرَبْ هَنِيئًا ذلك الماءَ العَذْبَ السَّلْسَبِيلَ.

فتَبارَكَ اللهُ أَحسَنُ الخالِقِين. وآخِرُ دَعْوانا أنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمِين.

فيا أَخي، اطْرَحِ الآنَ الخَيالَ، وتَقَلَّدِ العَقْلَ.

إنَّ الطَّرِيقَينِ الأُولَيَيْنِ، هُما طَرِيقُ: «المَغضُوبِ علَيهِم والضّالِّينَ»، ففيهما مَخاطِرُ كَثِيرةٌ، فهما شِتاءٌ دائِمٌ لا رَبِيعَ فيهما. بل رُبَّما لا يَنجُو إلَّا واحِدٌ مِن مِئةِ شَخصٍ قد سَلَك فيهما.. كأَفلاطُون وسُقْراطَ.

أمّا الطَّرِيقُ الثّالثةُ: فهي سَهْلةٌ قَصِيرةٌ، لأَنَّها مُستَقِيمةٌ، الضَّعِيفُ والقَوِيُّ فيها سِيّانِ؛ والكُلُّ يُمكِنُه أن يَمضِيَ فيها.

أمّا أَفضَلُ الطُّرُقِ وأَسلَمُها فهو: أن يَرزُقَك اللهُ الشَّهادةَ أو شَرَفَ الجِهادِ.

فها نحنُ الآنَ على عَتَبةِ النَّتِيجةِ.

إنَّ الدَّهاءَ العِلْمِيَّ يَسلُكُ في الطَّرِيقَينِ الأُولَيَيْنِ.

أمّا الهُدَى القُرآنِيُّ، وهو الصِّراطُ المُستَقِيمُ، فهو الطَّرِيقُ الثّالثةُ، فهي الَّتي تُبلِّغُنا هناك.

اللَّهُمَّ ﴿اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيم  * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّين﴾ . آمين.

219 مرة

نفس المواد


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *