مُوازَنةٌ بينَ الحَضارةِ الحاضِرةِ والشَّرِيعةِ الغَرّاء، والدَّهاءِ العِلْمِيِّ والهُدَى الإلٓهِيِّ

مَجلِسٌ في عالَمِ المِثالِ

(مُوازَنةٌ بينَ الحَضارةِ الحاضِرةِ والشَّرِيعةِ الغَرّاء، والدَّهاءِ العِلْمِيِّ والهُدَى الإلٓهِيِّ)

إبّانَ الهُدْنةِ، نِهايةَ الحَرْبِ العالَمِيّةِ الأُولَى، وفي لَيلةٍ مِن لَيالِي الجُمُعةِ، دَخَلْتُ مَجلِسًا مَهِيبًا في عالَمِ المِثالِ، وذلك في رُؤيا صادِقةٍ، فسَأَلُوني: ماذا سيَحدُثُ لِعالَمِ الإسلامِ عَقِبَ هذه الهَزِيمةِ؟

أَجَبتُ بصِفَتِي مُمَثِّلًا عنِ العَصرِ الحاضِرِ، وهم يَستَمِعُون إلَيَّ: إنَّ هذه الدَّولةَ الَّتي أَخَذَت على عاتِقِها ــ مُنذُ السّابِقِ ــ حِمايةَ استِقلالِ العالَمِ الإسلامِيِّ، وإعلاءَ كَلِمةِ اللهِ بالقِيامِ بفَرِيضةِ الجِهادِ ــ فَرْضًا كِفائيًّا ــ ووَضَعَت نَفسَها مَوضِعَ التَّضحِيةِ والفِداءِ عنِ العالَمِ الإسلاميِّ الَّذي هو كالجَسَدِ الواحِدِ، حامِلةً رايةَ الخِلافةِ؛ أَقُولُ: إنَّ هذه الدَّولةَ، وهذه الأُمّةَ الإسلامِيّةَ، ستُعَوَّضُ عن هذا البَلاءِ الَّذي أَصابَها، سَعادةً يَرفُلُ بها العالَمُ الإسلاميُّ، وحُرِّيّةً يَتَمتَّعُ بها، وستَتَلافَى المَصائِبَ والأَضرارَ الماضِيةَ؛ فالَّذي يَكسِبُ ثَلاثَ مِئةٍ بدَفعِ ثَلاثٍ لا شَكَّ أنَّه غيرُ خاسِرٍ، وذُو الهِمّةِ يُبَدِّلُ حالَه الحاضِرةَ إلى مُستَقبَلٍ زاهِرٍ. فهذه المُصِيبةُ قد بَعَثَت خَمِيرةَ حَياتِنا الَّتي هي الشَّفَقةُ والأُخُوّةُ والتَّرابُطُ بينَ المُسلِمِين بَعْثًا خارِقًا.

إنَّ تَنامِي الأُخُوّةِ بينَ المُسلِمِين يُسرِعُ في هَزِّ المَدَنيّةِ الحاضِرةِ ويُقرِّبُ دَمارَها، وستَتَبدَّلُ صُورةُ المَدَنيّةِ الحاضِرةِ، وسيُقَوَّضُ نِظامُها؛ وعِندَها تَظهَرُ المَدَنيّةُ الإسلاميّةُ، وسيكُونُ المُسلِمُون أَوَّلَ مَن يَدخُلُونَها بإرادَتِهم.

وإن أَرَدتَ المُوازَنةَ بينَ المَدَنيّةِ الشَّرعِيّةِ والمَدَنيّةِ الحاضِرةِ، فدَقِّقِ النَّظَرَ في أُسُسِ كلٍّ مِنهما، ثمَّ انظُرْ إلى آثارِهِما.

إنَّ أُسُسَ المَدَنيّةِ الحاضِرةِ سَلبِيّةٌ، وهي أُسُسٌ خَمسةٌ، تَدُورُ علَيها رَحاها.

فنُقطةُ استِنادِها: القُوّةُ بَدَلَ الحَقِّ، وشَأْنُ القُوّةِ الِاعتِداءُ والتَّجاوُزُ والتَّعَرُّضُ، ومِن هذا تَنشَأُ الخِيانةُ.

هَدَفُها وقَصدُها: مَنفَعةٌ خَسِيسةٌ بَدَلَ الفَضِيلةِ، وشَأْنُ المَنفَعةِ: التَّزاحُمُ والتَّخاصُمُ، ومِن هذا تَنشَأُ الجِنايةُ.

دُستُورُها في الحَياةِ: الجِدالُ والخِصامُ بَدَلَ التَّعاوُنِ، وشَأْنُ الخِصامِ: التَّنازُعُ والتَّدافُعُ، ومِن هذا تَنشَأُ السَّفالةُ.

رابِطَتُها الأَساسُ بينَ النّاسِ: العُنصُرِيّةُ الَّتي تَنمُو على حِسابِ غَيرِها، وتَتَقوَّى بابتِلاعِ الآخَرِين؛ وشَأْنُ القَوميّةِ السَّلبِيّةِ والعُنصُرِيّةِ: التَّصادُمُ المُرِيعُ، وهو المُشاهَدُ. ومِن هذا يَنشَأُ الدَّمارُ والهَلاكُ.

وخامِسَتُها: هي أنَّ خِدْمَتَها الجَذّابةَ، تَشجِيعُ الأَهواءِ والنَّوازِعِ، وتَذْليلُ العَقَباتِ أَمامَهُما، وإشباعُ الشَّهَواتِ والرَّغَباتِ؛ وشَأْنُ الأَهواءِ والنَّوازِعِ دائِمًا: مَسْخُ الإنسانِ، وتَغيِيرُ سِيرَتِه، فتَتَغيَّـرُ بِدَوْرِها الإنسانيّةُ وتُمسَخُ مَسْخًا مَعنَوِيًّا.

إنَّ مُعظَمَ هؤلاء المَدَنيِّين، لو قَلَبْتَ باطِنَهم على ظاهِرِهم، لَرَأَيتَ في صُورَتِهم سِيرةَ القِردِ والثَّعلَبِ والثُّعبانِ والدُّبِّ والخِنزِيرِ.

نعم، إنَّ خَيالَك لَيَمَسُّ فِراءَ تلك الحَيَواناتِ وجُلُودَها.. وآثارُهم تَدُلُّ علَيهِم.

إنَّه لا مِيزانَ في الأَرضِ غيرُ مِيزانِ الشَّرِيعةِ.. إنَّها رَحمةٌ مُهداةٌ نَزَلَت مِن سَماءِ القُرآنِ العَظِيمِ.

أمّا أُسُسُ مَدَنيّةِ القُرآنِ الكَرِيمِ، فهي إيجابِيّةٌ تَدُورُ سَعادَتُها على خَمْسةِ أُسُسٍ إيجابيّةٍ.

نُقطةُ استِنادِها: الحَقُّ بَدَلَ القُوّةِ، ومِن شَأْنِ الحَقِّ دائِمًا: العَدالةُ والتَّوازُنُ؛ ومِن هذا يَنشَأُ السَّلامُ ويَزُولُ الشَّقاءُ.

وهَدَفُها: الفَضِيلةُ بَدَلَ المَنفَعةِ، وشَأْنُ الفَضِيلةِ: المَحَبّةُ والتَّقارُبُ؛ ومِن هذا تَنشَأُ السَّعادةُ وتَزُولُ العَداوةُ.

دُستُورُها في الحَياةِ: التَّعاوُنُ بَدَلَ الخِصامِ والقِتالِ، وشَأْنُ هذا الدُّستُورِ: الِاتِّحادُ والتَّسانُدُ اللَّذانِ تَحيا بهما الجَماعاتُ.

وخِدْمَتُها للمُجتَمَعِ: بالهُدَى بَدَلَ الأَهواءِ والنَّوازِعِ، وشَأْنُ الهُدَى: الِارتِقاءُ بالإنسانِ ورَفاهُه إلى ما يَلِيقُ به معَ تَنوِيرِ الرُّوحِ ومَدُّها بما يَلْزَمُ.

رابِطَتُها بينَ المَجمُوعاتِ البَشَرِيّةِ: رابِطةُ الدِّينِ والِانتِسابِ الوَطَنيِّ، وعَلاقةُ الصِّنْفِ والمَهنةِ، وأُخُوّةُ الإيمانُ؛ وشَأْنُ هذه الرّابِطةِ: أُخُوّةٌ خالِصةٌ، وطَرْدُ العُنصُرِيّةِ والقَومِيّةِ السَّلبِيّةِ.

وبهذه المَدَنيّةِ يَعُمُّ السَّلامُ الشّامِلُ، إذ هو في مَوقِفِ الدِّفاعِ ضِدَّ أيِّ عُدوانٍ خارِجِيٍّ.

والآنَ نُدرِكُ لِمَ أَعرَضَ العالَمُ الإسلاميُّ عنِ المَدَنيّةِ الحاضِرةِ، ولَم يَقْبَلْها، ولَم يَدخُلِ المُسلِمُون فيها بإِرادَتِهم؛ إنَّها لا تَنفَعُهم، بل تَضُرُّهم. لأنَّها كَبَّلَتْهم بالأَغلالِ، بل صارَت سُمًّا زُعافًا للإنسانيّةِ بَدَلًا مِن أن تكُونَ لها تِرْياقًا شافِيًا، إذ أَلْقَتْ ثَمانِينَ بالمِئةِ مِنَ البَشَرِيّةِ في شَقاءٍ، لِتَعِيشَ عَشَرةٌ بالمِئةِ مِنها في سَعادةٍ مُزَيَّفةٍ، أمّا العَشَرةُ الباقِيةُ فهُم حَيارَى بينَ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ.

وتَتَجمَّعُ الأَرباحُ التِّجارِيّةُ بأَيدِي أَقَلِّيّةٍ ظالِمةٍ، بَينَما السَّعادةُ الحَقّةُ هي في إسعادِ الجَمِيعِ، أو في الأَقَلِّ أن تُصبِحَ مَبْعَثَ نَجاةِ الأَكثَرِيّةِ.

والقُرآنُ الكَرِيمُ النّازِلُ رَحْمةً للعالَمِين لا يَقبَلُ إلَّا طِرازًا مِنَ المَدَنِيّةِ الَّتي تَمنَحُ السَّعادةَ للجَمِيعِ أوِ الأَكثَرِيّةِ، بَينَما المَدَنيّةُ الحاضِرةُ قد أَطلَقَتِ الأَهواءَ والنَّوازِعَ مِن عِقالِها، فالهَوَى حُرٌّ طَلِيقٌ طَلَاقةَ البَهائِمِ، بل أَصبَحَ يَستَبِدُّ، والشَّهْوةُ تَتَحكَّمُ، حتَّى جَعَلَتا الحاجاتِ غيرَ الضَّرُورِيّةِ في حُكْمِ الضَّرُورِيّةِ.. وهكذا مُحِيَت راحةُ البَشَرِيّةِ، إذ كان الإنسانُ في البَداوةِ مُحتاجًا إلى أَشياءَ أَربَعةٍ، بَينَما أَفْقَرَتْه المَدَنيّةُ الحاضِرةُ الآنَ وجَعَلَتْه في حاجةٍ إلى مِئةِ حاجةٍ وحاجةٍ؛ حتَّى لم يَعُدِ السَّعْيُ الحَلالُ كافِيًا لِسَدِّ النَّفَقاتِ، فدَفَعَتِ المَدَنيّةُ البَشَرِيّةَ إلى مُمارَسةِ الخِداعِ والِانغِماسِ في الحَرامِ؛ ومِن هنا فَسَدَت أُسُسُ الأَخلاقِ، إذ أَحاطَتِ المُجتَمَعَ والبَشَرِيّةَ بهالةٍ مِنَ الهَيْبةِ ووَضَعَت في يَدِها ثَرْوةَ النّاسِ، فأَصبَحَ الفَرْدُ فَقِيرًا وفاقِدًا للأَخلاقِ.

والشّاهِدُ على هذا كَثِيرٌ، حتَّى إنَّ مَجمُوعَ ما ارْتَكَبَتْه البَشَرِيّةُ مِن مَظالِمَ وجَرائِمَ وخِياناتٍ في القُرُونِ الأُولَى قاءَتْها واستَفْرَغَتْها هذه المَدَنيّةُ الخَبِيثةُ مَرّةً واحِدةً؛ وسوف تُصابُ بالمَزِيدِ مِنَ الغَثَيانِ في قابِلِ أَيّامِها ([1])، ومِن هُنا نُدرِكُ لِمَ يَتَوانَى العالَمُ الإسلاميُّ في قَبُولِها ويَتَحرَّجُ؟ إنَّ استِنكافَه مِنها له مَغزًى يَلْفِتُ النَّظَرَ.

نعم، إنَّ النُّورَ الإلٓهِيَّ في الشَّرِيعةِ الغَرّاءِ يَمنَحُها خاصّةً مُمَيَّزةً وهي الِاستِقلالُ الَّذي يُؤَدِّي إلى الِاستِغناءِ.

هذه الخاصِّيّةُ لا تَسمَحُ أن يَتَحكَّمَ في ذلك النُّورِ دَهاءُ([2]) رُوما ــ المُمَثِّـلُ لِرُوحِ هذه المَدَنيّةِ ــ ولا يُطَعَّمُ بها ولا يَمتَزِجُ معَها.. ولن تكُونَ الشَّرِيعةُ تابِعةً لِذلك الدَّهاءِ.

إذِ الشَّرِيعةُ تُرَبِّي في رُوحِ الإسلامِ الشَّفَقةَ وعِزّةَ الإيمانِ، فلَقد أَخَذ القُرآنُ بِيَدِه حَقائِقَ الشَّرِيعةِ.. كلُّ حَقِيقةٍ مِنها عَصا مُوسَى (في تلك اليَدِ). وستَسْجُدُ له تلك المَدَنيّةُ السّاحِرةُ سَجْدةَ تَبجِيلٍ وإعجابٍ.

والآنَ دَقِّقِ النَّظَرَ في هذا: كانَت رُوما القَدِيمةُ واليُونانُ يَملِكانِ دَهاءً، وهُما دَهاءَانِ تَوْءَمانِ، ناشِئانِ مِن أَصلٍ واحِدٍ؛ أَحَدُهما غَلَبَ الخَيالُ علَيه. والآخَرُ عَبَدَ المادّةَ. ولكِنَّهما لم يَمتَزِجا، كما لا يَمتَزِجُ الدُّهنُ بالماءِ، فحافَظَ كلٌّ مِنهُما على استِقلالِه رَغْمَ مُرُورِ الزَّمانِ، ورَغْمَ سَعْيِ المَدَنيّةِ لِمَزْجِهِما، ومُحاوَلةِ النَّصرانيّةِ لِذلك، إلَّا أنَّ جَمِيعَ المُحاوَلاتِ باءَت بالإخفاقِ.

والآنَ، بَدَّلَت تِلكُما الرُّوحانِ جَسَدَيهِما، فأَصبَحَ الأَلمانُ جَسَدَ أَحَدِهما، والفَرَنسِيُّونَ جَسَدَ الآخَرِ. وكأنَّهما قد تَناسَخا مِنهُما.

ولقد أَظهَرَ الزَّمانُ أنَّ ذَينِكَ الدَّهاءَينِ التَّوْءَمَينِ قد رَدَّا أَسبابَ المَزْجِ بعُنْفٍ، ولم يَتَصالَحا إلى الوَقتِ الحاضِرِ.

فلَئِن كان التَّوْءَمانِ الصَّدِيقانِ الأَخَوانِ الرَّفِيقانِ في الرُّقِيِّ قد تَصارَعا ولم يَتَصالَحا، فكيفَ يَمتَزِجُ هُدَى القُرآنِ ــ وهو مِن أَصلٍ مُغايِرٍ ومَعدِنٍ آخَرَ ومَطلِعِ مُختَلِفٍ- معَ دَهاءِ رُوما وفَلسَفَتِها؟! فذلك الدَّهاءُ، وهذا الهُدَى مُختَلِفانِ في المَنشَأِ.

الهُدَى نَزَل مِنَ السَّماءِ.. والدَّهاءُ خَرَج مِنَ الأَرضِ.

الهُدَى فَعّالٌ في القَلْبِ، يَدْفَعُ الدِّماغَ إلى العَمَلِ والنَّشاطِ، بَينَما الدَّهاءُ فَعّالٌ في الدِّماغِ، ويُعَكِّرُ صَفْوَ القَلْبِ ويُكَدِّرُه.

الهُدَى يُنَوِّرُ الرُّوحَ حتَّى تُثمِرَ حَبّاتُها سَنابِلَ، فتَتَنوَّرُ الطَّبِيعةُ المُظلِمةُ، وتَتَوجَّهُ الِاستِعداداتُ نحوَ الكَمالِ، ولكِن يَجعَلُ النَّفسَ الجِسمانيّةَ خادِمةً مُطِيعةً، فيَضَعُ في سِيماءِ الإنسانِ السّاعِي الجادِّ صُورةَ المَلَك… أمّا الدَّهاءُ فيَتَوجَّهُ مُقدَّمًا إلى النَّفسِ والجِسمِ، ويَخُوضُ في الطَّبِيعةِ، ويَجعَلُ النَّفسَ المادِّيّةَ مَزرَعةً لِإِنماءِ الِاستِعدادِ النَّفسانِيِّ وتَرَعرُعِه؛ بَينَما يَجعَلُ الرُّوحَ خادِمةً، حتَّى تَتَيبَّسَ بُذُورُها وحَبّاتُها، فيَضَعُ في سِيماءِ الإنسانِ صُورةَ الشَّيطانِ.

الهُدَى يَمنَحُ السَّعادةَ لِحَياةِ الإنسانِ في الدّارَينِ، ويَنشُرُ فيهما النُّورَ والضِّياءَ، ويَدْفَعُ الإنسانَ إلى الرُّقيِّ؛ أمّا الدَّهاءُ الأَعوَرُ كالدَّجّالِ، فيَفهَمُ الحَياةَ أنَّها دارٌ واحِدةٌ فحَسْبُ، لِذا يَدْفَعُ الإنسانَ لِيَكُونَ عَبْدَ المادّةِ، مُتَهالِكًا على الدُّنيا، حتَّى يَجعَلَه وَحْشًا مُفتَرِسًا.

نعم، إنَّ الدَّهاءَ يَعبُدُ الطَّبِيعةَ الصَّمّاءَ، ويُطِيعُ القُوّةَ العَمْياءَ؛ أمّا الهُدَى فإنَّه يَعرِفُ الصَّنْعةَ المالِكةَ للشُّعُورِ، ويُقَدِّرُ القُدْرةَ الحَكِيمةَ.

الدَّهاءُ يُسدِلُ على الأَرضِ سِتارَ الكُفْرانِ.. والهُدَى يَنثُرُ علَيها نُورَ الشُّكْرِ والِامتِنانِ.

ومِن هذا السِّرِّ: فالدَّهاءُ أَعمَى أَصَمُّ.. والهُدَى سَمِيعٌ بَصِيرٌ.

إذ في نَظَرِ الدَّهاءِ: لا مالِكَ للنِّعَمِ المَبثُوثةِ على الأَرضِ، ولا مَولَى يَرْعاها، فيَغتَصِبُها دُونَ شُكْرانٍ، إذِ الِاقتِناصُ مِنَ الطَّبِيعةِ يُوَلِّدُ شُعُورًا حَيَوانِيًّا.. أمّا في نَظَرِ الهُدَى فانَّ النِّعَمَ المَبسُوطةَ على الأَرضِ هي ثَمَراتُ الرَّحمةِ الإلٓهِيّةِ، وتحتَ كلٍّ مِنها يَدُ المُحسِنِ الكَرِيمِ؛ مِمّا يَحُضُّ الإنسانَ على تَقبِيلِ تلك اليَدِ بالشُّكْرِ والتَّعظِيمِ.

زِدْ على ذلك: فمِمّا لا يَنبَغِي أن نُنكِرَ أنَّ في المَدَنيّةِ مَحاسِنَ كَثِيرةً، إلَّا أنَّها لَيسَت مِن صُنْعِ هذا العَصْرِ، بل هي نِتاجُ العالَمِ ومُلكُ الجَمِيعِ، إذ نَشَأَتْ بتَلاحُقِ الأَفكارِ وتَلاقُحِها، وحَثِّ الشَّرائِعِ السَّماوِيّةِ ــ ولا سِيَّما الشَّرِيعةِ المُحَمَّدِيّةِ ــ وحاجةِ الفِطْرةِ البَشَرِيّةِ؛ فهي بِضاعةٌ نَشَأَت مِنَ الِانقِلابِ الَّذي أَحْدَثَه الإسلامُ، لِذا لا يَتَملَّكُها أَحَدٌ مِنَ النّاسِ.

وهُنا عادَ رَئيسُ المَجلِسِ فسَأَلَ قائِلًا: يا رَجُلَ هذا العَصرِ، إنَّ البَلاءَ يَنزِلُ دَوْمًا نَتِيجةَ الخِيانةِ، وهو سَبَبُ الثَّوابِ. ولقد صَفَع القَدَرُ صَفْعَتَه ونَزَل القَضاءُ بهذه الأُمّةِ؛ فبِأَيٍّ مِن أَعمالِكُم قد سَمَحتُم للقَضاءِ والقَدَرِ حتَّى أَنزَلَ القَضاءُ الإلٓهِيُّ بكُمُ البَلاءَ ومَسَّكُمُ الضُّرُّ؟ فإنَّ سَبَب نُزُولِ المَصائِبِ العامّةِ هو خَطَأُ الأَكثَرِيّةِ مِنَ النّاسِ.

قُلتُ: إنَّ ضَلالَ البَشَرِيّةِ وعِنادَها النُّمرُودِيَّ وغُرُورَها الفِرْعَوْنِيَّ، تَضَخَّم وانْتَفَش حتَّى بَلَغ السَّماءَ ومَسَّ حِكْمةَ الخَلْقِ، وأَنزَل مِنَ السَّماواتِ العُلا ما يُشبِهُ الطُّوفانَ والطّاعُونَ والمَصائِبَ والبَلايا.. تلك هي الحَرْبُ العالَمِيّةُ الحاضِرةُ، إذ أَنزَل اللهُ سُبحانَه لَطْمةً قَوِيّةً على النَّصارَى بل على البَشَرِيّةِ قاطِبةً، لأنَّ أَحَدَ أَسبابِها الَّتي يَشتَرِكُ فيها النّاسُ كُلُّهم هو الضَّلالُ النّاشِئُ مِنَ الفِكْرِ المادِّيِّ، والحُرِّيّةِ الحَيَوانيّةِ، وتَحَكُّمِ الهَوَى.

أمّا ما يَعُودُ إلَينا مِن سَبَبٍ فهو: إهمالُنا أَركانَ الإسلامِ وتَرْكُنا الفَرائِضَ، إذْ طَلَب مِنّا سُبحانَه وتَعالَى ساعةً واحِدةً مِن أَربَعٍ وعِشرِين ساعةً، طَلَبَها لِأَجْلِنا نحنُ، لِأَداءِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، فتَقاعَسْنا عنها، وأَهْمَلْناها غافِلِين، فجازانا بتَدرِيبٍ شاقٍّ دائِمٍ لِأَربَعٍ وعِشرِين ساعةً طَوالَ خَمسِ سَنَواتٍ مَتَوالِياتٍ، أي: أَرغَمَنا على نَوعٍ مِنَ الصَّلاةِ! وأنَّه سُبحانَه طَلَب مِنّا شَهْرًا مِنَ السَّنةِ نَصُومُ فيه رَحْمةً بأَنفُسِنا، فعَزَّت علَينا نُفُوسُنا، فأَرغَمَنا على صَوْمٍ طَوالَ خَمْسِ سَنَواتٍ، كَفّارةً لِذُنُوبِنا؛ وأنَّه سُبحانَه طَلَب مِنّا الزَّكاةَ عُشْرًا أو واحِدًا مِن أَربَعِين جُزءًا مِن مالِه الَّذي أَعطاه لنا، فبَخِلْنا وظَلَمْنا وخَلَطْناه بالحرامِ، ولم نُعطِها طَوْعًا، فأَرغَمَنا على دَفْعِ زَكاةٍ مُتَراكِمةٍ، وأَنقَذَنا مِنَ الحَرامِ.. فالجَزاءُ مِن جِنسِ العَمَلِ.

إنَّ العَمَلَ الصّالِحَ نَوعانِ: أَحَدُهما: إيجابيٌّ واختِيارِيٌّ. والآخَرُ: سَلبِيٌّ واضطِرارِيٌّ.

فالآلامُ والمَصائِبُ كلُّها أَعمالٌ صالِحةٌ سَلبِيّةٌ اضطِرارِيّةٌ، كما وَرَد في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ، وفيه سُلْوانُنا وعَزاؤُنا.([3]) ولهذا، فلَقد تَطَهَّرَت هذه الأُمّةُ المُذنِبةُ وتَوَضَّأَت بدَمِها، وتابَت تَوبةً فِعْلِيّةً، وكان ثَوابُها العاجِلُ رَفْعَ خُمُسِ هذه الأُمّةِ العُثمانيّةِ ــ أي: أَربَعةِ مَلايِينَ مِنَ النّاسِ ــ إلى مَرتَبةِ الوِلايةِ، ومَنحَهُم دَرَجةَ الشَّهادةِ والمُجاهِدِين.. هكذا كَفَّر عنِ الذُّنُوبِ.

استَحْسَنَ مَن في المَجلِسِ الرَّفيعِ المِثالِيِّ هذا الكَلامَ.. وانتَبَهتُ مِن نَومِي، بل قد نِمتُ مُجَدَّدًا باليَقَظةِ، لِأَنَّني أَعتَقِدُ أنَّ اليَقَظةَ رُؤيا والرُّؤيا نَوعٌ مِنَ اليَقَظةِ.

سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ هنا، مُمَثِّـلُ العَصْرِ هُناك.

—————————————————————————–

([1]) مَعنَى أنَّها ستَتَقيَّأُ قَيْئًا أَشَدَّ وأَفظَعَ. نعم، لقد قاءَت واستَفْرَغَت بِحَربَينِ عالَمِيَّتَينِ حتَّى لَطَّخَت بالدَّمِ البَرَّ والبَحرَ
والهَواءَ (المُؤلِّف).

([2]) كَلِمةُ «الدَّهاءِ» في هذا المَبحَثِ يُقصَدُ مِنها: المَفاهِيمُ المادِّيّةُ الَّتي تَتَبّناها حَضارةُ الغَرْبِ. أو الفِكرُ المادِّيُّ في فَلسَفَتِه. ولقد أَبقَيْنا الكَلِمةَ كما هي لِما فيها مِن تَجانُسٍ جَمِيلٍ معَ الهُدَى.

([3]) انظر: مسلم، الزهد 64؛ الدارمي، الرقاق 61؛ أحمد بن حنبل، المسند 4/332، 5/24؛ ابن حبان، الصحيح 7/155؛ الطبراني، المعجم الكبير 8/40.

572 مرة

نفس المواد


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *