السماوات أسطعُ صحائف التوحيد

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء:44]

لما كانت آياتٌ قرآنيةٌ كثيرةٌ كهذه الآيةِ الجليلة تبدأُ -في تعريفها بخالق الكون- بذكر السماوات التي هي أسطعُ صحائف التوحيد، وأكثرُ ما يطالعُه باستمتاعٍ كلُّ إنسان، وينظر إليه بدهشةٍ في كلِّ آن؛ كان من المناسب أن يُستَهلَّ بها.

نعم، إن كلَّ ضيفٍ يأتي إلى مملكةِ الدنيا ودارِ ضيافتها يشاهِد -كلما فتح عينيه وقَلَّبَ نظَرَه- مَضافةً في غاية الكرم، ومعرِضَ مصنوعاتٍ في غاية الإتقان، ومعسكرًا وميدانَ تدريبٍ في غاية المهابة، ومُنْتزهًا في غاية الإمتاع والإبهار، ودارَ مطالعةٍ في غاية الحكمة والمعنى؛ فتتحرك لديه الرغبة لمعرفةِ مَنْ صاحبُ دارِ الضيافةِ الجميلة هذه؟ ومَنْ مؤلِّفُ هذا الكتاب الكبير؟ ومَنْ سلطانُ هذه المملكة العظيمة؟ وبينما الضيفُ في حالةٍ من شدةِ الفضول لمعرِفته والتعرُّف عليه، إذْ أطلَّ وجهُ السماواتِ الجميلُ المكتوبُ بزخارفِ النور قائلًا: اُنظُر إليَّ.. سأخبِرك بمن تبحث عنه.

فنظر إليها فرأى تَجلِّيَ ربوبيةٍ ترفعُ مئاتِ آلافِ الأجرامِ السماوية بغير عَمَدٍ فلا تهوي، بعضُها أكبرُ من أرضنا بألفِ مرة، وبعضُ هذه أسرعُ من قذيفة المدفع بسبعين مرة..

وتُسيِّرها جميعًا معًا بسرعةٍ فائقةٍ بلا تصادُم..

وتُسْرِجُ تلك المصابيح اللامحدودة على الدوام من غير وَقودٍ وبلا انطفاء..

وتُدير تلك الكُتَلَ العظيمة المتناهية في الضخامة دون أن يَصدُر عنها ضجيجٌ أو اختلال..

وتُشغِّل تلك المخلوقاتِ الهائلة في وظائف -كوظائف الشمس والقمر- فلا يكون منها أيُّ عصيان..

وتتصرَّفُ بها جميعًا، في الوقت ذاته، بالقوة ذاتها، وبالأسلوب ذاته، وبسِكَّةِ الفطرة ذاتها، وبالصورة ذاتها، عبر فضاءٍ شاسعٍ لا يتناهى ولا تحدُّه أرقامٌ تمتد بين دائرتي القطبين، تصرُّفًا لا يشوبه نقصان..

وتُخْضِعُ تلك الكُتل الهائلة الحاملةَ لقُوًى متجاوزة، فتجعلها مطيعةً لقانونها لا تتعدَّاه..

وتُنظِّف وجهَ السماء فتجعله أجملَ وأسطعَ ما يكون، ولا تسمح لشيءٍ -كمخلَّفات هذا الحشد اللامتناهي- أن يُلوِّثه..

وتَسوقُ تلك الأجرام كأنها جيشٌ منتظمٌ يُجري مناورة؛ وتَعرِضُ -بدوران الأرض- هذه المناورةَ المَهيبة بصورها المختلفة وأشكالها الحقيقية والخيالية، تعرِضها كلَّ ليلةٍ وكلَّ عامٍ أمام أنظار مخلوقاتها المُشاهِدةِ كأنها مَشاهِد سينمائية.

إن هذه الربوبية الظاهرة، وما تبدَّى في فعَّاليَّتها من حقيقةٍ مركَّبةٍ من التسخير والتدبير والتدوير، والتنظيم والتنظيف والتوظيف، لَتَشهَد بعَظَمَتِها وإحاطتها -كما هو مشاهَد- على وجوبِ وجودِ خالقِ تلك السماوات ووَحدته؛ وعلى أن وجودَه أظهَرُ من وجود السماوات؛ وقد ذُكِر هذا بمعناه في المرتبة الأولى من المقام الأول فقيل فيه:

لا إلهَ إلا اللهُ الواجبُ الوجودِ، الذي دلَّ على وجوبِ وجودهِ في وَحدتهِ السماواتُ بجميعِ ما فيها، بشهادةِ عَظَمَةِ إحاطةِ حقيقةِ التَّسخيرِ والتَّدبيرِ والتَّدويرِ([1])، والتَّنظيمِ والتَّنظيفِ والتَّوظيفِ الواسعةِ المُكَمَّلَةِ([2]) بالمُشاهَدة.

اقتباسات من رسالة الآية الكبرى بتصرف

 

([1]) يتضمن هذا اللفظ في هذا المقام معنى «الإدارة» أيضًا؛ .

([2]) المقصود بلفظ «المُكمَّل» أو «المُكمَّلة» حيثما ورد في عبارة الأستاذ: البديعُ الفائق، أو العظيمُ الباهر؛.

3345 مرة

نفس المواد


Bir cevap yazın

E-posta hesabınız yayımlanmayacak.