اللذّةِ الحقةِ الكافيةِ للإنسانِ يتساوى فيها السلطانُ والشحاذُ

حاسّةُ الذَّوقِ مَأمورةُ البَرقِ، لا تَجعَلِ اللَّذّةَ هَمَّها فتُفسِدَها([1])

لقد أَسَّسَ سُبحانَه بفَضلِ رُبُوبيَّتِه وحِكْمَتِه وعِنايَتِه في فَمِ الإنسانِ وأَنفِه مَركَزَينِ: وَضَع فيهما حُرّاسَ حُدُودِ هذا العالَمِ الصَّغِيرِ وعُيُونَه، ونَصَبَ كلَّ عِرقٍ بمَثابةِ الهاتِفِ، وجَعَل كلَّ عَصَبٍ في حُكْمِ البَرْقِ، وجَعَلَت عِنايَتُه الكَرِيمةُ حاسّةَ الشَّمِّ مَأْمُورةَ إرسالِ المُكالَماتِ الهاتِفِيّةِ، وحاسّةَ الذَّوقِ مُوَظَّفةَ إرسالِ البَرقِيّاتِ.

ومِن رَحمةِ ذلك الرَّزّاقِ الحَقِيقيِّ أنَّه وَضَع قائِمةَ الأَثمانِ على الأَرزاقِ، تلك هي: الطَّعْمُ، واللَّوْنُ، والرّائِحةُ.

فهذه الخَواصُّ الثَّلاثةُ ــ مِن حَيثُ الإرزاقُ ــ لَوْحةُ إعلانٍ، وبِطاقةُ دَعْوةٍ، وتَذكِرةُ رَخْصةٍ، ومُنادِيةُ الزَّبائِنِ وجالِبةُ المُحتاجِينَ.

وقد مَنَح ذلك الرَّزّاقُ الكَرِيمُ الأَحياءُ المَرزُوقةُ أَعضاءً لِلذَّوقِ والرُّؤْيةِ والشَّمِّ، وزَيَّنَ الأَطعِمةَ بمُختَلِفِ أَلوانِ الزِّينةِ والجَمالِ.. لِيُسْلِيَ بها القُلُوبَ المُشتاقةَ، ويُثِيرَ شَوْقَ غيرِ المُبالِين.

فحالَما يَدخُلُ الطَّعامُ الفَمَ، تُخبِرُ حاسّةُ الذَّوْقِ أَنحاءَ الجِسمِ بَرْقيًّا به، وتُبلِّغُ الشَّمَّ هاتِفِيًّا نَوعَ الطَّعامِ الوارِدِ وصِنْفَه؛ فالحَيَواناتُ المُتَبايِنةُ في الرِّزقِ والحاجاتِ، تَتَصرَّفُ وَفْقَ تلك الأَخبارِ وتَتَهيَّأُ على حَسَبِها؛ أو يَأْتِي الجَوابُ بالرَّدِّ، فيَلفِظُ الفَمُ الطَّعامَ خارِجًا، بل قد يَبصُقُ علَيه.

ولَمّا كانَت حاسّةُ الذَّوْقِ مَأْمُورةً مِن قِبَلِ العِنايةِ الإلٓهِيّةِ فلا تُفسِدْها بالتَّذَوُّقِ المُستَمِرِّ، ولا تَخْدَعْها بالتَّلَذُّذِ دَوْمًا؛ إذ ستَنْسَى ما الشَّهِيّةُ الحَقّةُ؟ لِوُرُودِ الشَّهِيّةِ الكاذِبةِ إلَيها، تلك الَّتي تَأْخُذُ بِلُبِّها.. فيُجازَى صاحِبُها بالمَرَضِ ويُعاقَبُ بالعِلَلِ جَرّاءَ خَطَئِها.

ﭐعْلَمْ أنَّ اللَّذّةَ الحَقِيقيّةَ، إنَّما تَنبُعُ مِن شَهِيّةٍ حَقِيقيّةٍ.

وأنَّ الشَّهِيّةَ الحَقّةَ الصّادِقةَ تَنبُعُ مِن حاجةٍ حَقِيقيّةٍ صادِقةٍ.

وفي هذه اللَّذّةِ الحَقّةِ الكافيةِ للإنسانِ يَتَساوَى السُّلطانُ والشَّحّاذُ.

——————————————————————————————————————————————–

([1]) هذه القِطْعةُ نَواةُ رِسالةِ الِاقتِصادِ. وكأنَّه قد لَخَّص تلك الرِّسالةَ في هذه السُّطُورِ. (المُؤلِّف).

223 مرة

نفس المواد


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *