جوُّ السماء محشرُ العجائب

إن جوَّ السماء محشرُ العجائب يهتفَ مخاطبًا الضيفَ المسافر القادِمَ إلى الدنيا، ويقول له بصوتٍ هادرٍ: اُنظر إليَّ، فمعي يمكنك أن تجِدَ مَن تبحثُ عنه بشغَف، وتعرفَ من أرسلك إلى هنا.

نظر الضيف إلى وجه الجو.. مكفهرٌّ لكنَّه رحيم؛ وسمع هديره.. مفزِعٌ لكنَّه مبشِّر؛ فرأى السحاب المعلَّق بين السماء والأرض يؤدي وظائف في غايةِ الحكمة والرحمة، إذْ يسقي بستانَ الأرض؛ ويُمِدُّ أهلَها بماءِ الحياة؛ ويُعدِّلُ الحرارة؛ ويُسْرِع لنجدةِ كلِّ بقعةٍ بحسَب حاجتها.

وفضلًا عن هذه الوظائف وأمثالها من الوظائف الأخرى الكثيرة، فإنه رأى السحاب يملأ الجوَّ فجأةً ثم يختفي وتَذهب جميعُ أجزائه للاستراحة فلا يُرى لها أثر، كأنه جيشٌ منتظمٌ يَظهَر ويتوارى وفقًا لأوامر فورية؛ حتى إذا ما تلقَّى الأمر: «انطلق للإمطار» اجتمع فملأ الجو في غضون ساعةٍ، بل في دقائق، ووقف كأنه ينتظر أمر القائد.

ثم نظر المسافرُ إلى الرياح في الجو، فرأى أن الهواءَ يُستخدَم في وظائفَ جمَّةٍ بغاية الحكمة والكرم، حتى كأن كلَّ ذرةٍ من ذَرَّاتِه التي لا شعور لها تَسمعُ الأوامرَ الصادرة من سلطان الكون، فتَعرِفُها وتنفِّذها بقوته، وتؤدِّيها بانتظامٍ دون إهمالٍ أو إبطاء؛ فتؤمِّن النَّفَس لكلِّ نَفْسٍ على هذه الأرض، وتنقل المواد اللازمة للأحياء كالحرارة والضياء والكهرباء، وتنقل الأصوات، وتكون واسطةً لتلقيح النباتات، إلى غير هذا من الوظائف والخدمات الكُلِّية الجمَّة التي تَستخدِمها فيها يدٌ غيبيةٌ استخدامًا بمنتهى الشعور والعلم والحيوية.

ثم نظر إلى المطر، وتأمَّل في قطراته اللطيفة البرَّاقة العذبة المرسَلةَ من العدم ومن خزينةِ رحمةٍ غيبية، فرأى فيها وظائفَ وهدايا رحمانيَّةً جمَّةً، حتى لكأنَّ الرحمة تجسَّدتْ في هيئةِ قطراتٍ تنسابُ من الخزينة الربَّانية، ولأجل هذا سُمِّي المطر «رحمةً»([1]).

ثم نظر إلى البرق، واستمع إلى الرعد، فوجدهما يُستخدمان في خدماتٍ عجيبةٍ غريبةٍ جدًّا.

ثم حوَّل نظره والتفت إلى عقله وقال لنفسه: لا شك أن هذا السحاب الجمادَ العديمَ الشعور، الشبيهَ بالقطن المندوف، لا يعرفنا، ولا يُسارِع لإمدادنا إشفاقًا علينا من تلقاء نفسه؛ ولا ريب أنه لا يَظهَر أو يَختفي بغيرِ أمرٍ؛ بل لا بد أنه يتحركُ بأمرِ آمرٍ قديرٍ غايةَ القدرة، رحيمٍ غايةَ الرحمة؛ فيختفي دون أن يترك أثرًا، ويظهَر فجأةً ليقوم على رأس عمله، فيملأ عالَم الجو ويُخْلِيْهِ -بين حينٍ وآخر- بقرارٍ وقوةٍ من سلطانٍ فعَّالٍ متعالٍ، عظيمٍ ذي جلال، لا يزال يكتب على لوح عالَم الجوِّ بحكمةٍ، ويمحو بالإعفاء، ويجعل منه لوحَ محوٍ وإثبات، وصورةَ قيامةٍ وحشر.

ولا شكَّ أيضًا أن هذا السحاب يَركب متنَ الرياح بتدبيرِ مُدبِّرٍ حكيمٍ في غاية اللطف والإحسان، وفي غاية الربوبية والكرم، يركَبها وهو يُقِلُّ خزائنَ مطرٍ أمثالَ الجبال، فيُغيثُ بها الأماكنَ المحتاجة، كأنه يَرِقُّ لحالها فيبكي بعيونٍ دامعةٍ، ويرسُم البسمة بالأزاهير، ويُلطِّف لَفْحَ الشمس، ويرُشُّ الماء على البساتين كأنه إسفنجة، ويغسِل وجه الأرض وينظِّفه.

ثم إن هذا المسافرَ المُحِبَّ للاستطلاع قال لعقله:

بالرغم من أن هذا الهواء جمادٌ لا حياة فيه ولا شعور، وبالرغم من أنه على الدوام مَوَّارٌ بلا قرار، عاصفٌ متقلِّبٌ بلا هدفٍ ولا ثبات، إلا أنه بصورته الظاهرية ينطوي على مئاتِ آلافِ الأعمال المُتْقَنة والإحساناتِ والإمداداتِ الحكيمة الرحيمة التي تأتي بواسطته إلى الوجود، مما يُثْبِتُ بالبداهة أن هذا الخادم الجوَّال وهذه الرياح الموَّارة لا حركةَ لها من تلقاء نفسها، وإنما تتحركُ بأمرِ آمرٍ في غاية العلم والقدرة، وغايةِ الكرم والحكمة؛ حتى كأن كل ذرَّةٍ من ذراتها جنديٌّ يعرِف كلَّ عملٍ يُناط به، ويَسمعُ ويَفهمُ جميعَ أوامرِ هذا الآمر؛ فتطيع كلَّ أمرٍ ربانيٍّ جارٍ في الهواء من تنفُّسِ جميع الحيوانات وإعاشتها، وتلقيحِ النباتات ونموِّها، وتأمينِ الموادِّ اللازمةِ لحياتها، وتصريف السُّحُب وإدارتِها، وتسييرِ السفنِ بلا وقودٍ وجريانِها، وإيصالِ الأصوات، خصوصًا إيصال الأحاديث عبر المذياع والتلغراف والهواتف اللاسلكية، ونحوِ هذه الخدمات وغيرها من الخدمات العامَّة الكلِّيَّة؛ ومع أن ذرَّاتِ الهواء متماثلةٌ تتألف من مادَّتَين بسيطتين كالآزوت ومولِّد الحموضة «الأوكسجين»، إلا أنني أراها تُستَخدَم من قِبَل يَدِ حكمةٍ بكمالِ الانتظام في مئاتِ الآلاف من أنماط الأعمال الربانية على وجه الأرض.

فحَكَم السائح قائلًا: إن مَن يَستعمل الرياح تصريفًا في خدماتٍ ربانيةٍ لا حَدَّ لها؛ ومَن يَستخدم السَّحاب تسخيرًا في شؤونٍ رحمانيةٍ لا حدَّ لها؛ ومَن أوجد الهواء على تلك الصورة؛ كما صرَّحت الآية: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة:164] ليس إلا الربُّ الواجبُ الوجود، القادرُ على كلِّ شيء، العالِمُ بكلِّ شيء، ذو الجلال والإكرام.

ثم نظر إلى المطر فرأى فيه منافع بعدد حباته، وجَلواتٍ رحمانيةً بعدد قطراته، وحِكَمًا بمقدار رشحاته؛

ورأى هذه القطرات الجميلة اللطيفة المباركة تُخلَقُ ببالغِ الانتظام والجمال، وتُرسَل وتَهطِل بميزانٍ وانتظامٍ عجيبين -خصوصًا البَرَدَ الذي يأتي في الصيف- بحيث لا يمكن أن تُخِلَّ بهذا الميزان والانتظام الرياحُ العاتيةُ ذات الأعاصير التي تتصادم لشدتها الأشياءُ الضخمة، بل لا يمكنها أن تُصادم بين قطراته فتَجمع بينها وتؤلِّفَ منها كُتَلًا تُخلِّف الأضرار.

ورأى هذا الماءَ المركَّب من مادَّتين بسيطتَين جامدتَين لا شعور لهما -هما مُولِّد الماء ومولِّد الحموضة، أي الهيدروجين والأوكسجين- يُستَعْمَل في أعمالٍ بالغةِ الحكمة خصوصًا للأحياء، ويُسْتَخدَم في مئاتِ آلافِ الخدمات والصنائع الحكيمة الشُّعوريَّة المختلفة.

إذًا، فهذا المطر الذي هو بذاته رحمةٌ مجسَّمة، لا يُصنَع إلا في خزينةِ الرحمة الغيبية للرحمن الرحيم؛ وبنزوله يفسِّرُ الآيةَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى:28] تفسيرًا عمليًّا.

ثم استمعَ إلى الرعد، ونظر إلى البرق، فرأى هاتين الحادثتَين الجويَّتَين العجيبتَين تُفسِّران تمامًا الآيتين: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ [الرعد:13]، و: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ [النور:43] تفسيرًا عمليًّا، وتُخبران فضلًا عن ذلك بقدوم المطر وتُبشِّران به المحتاجين.

أجل، إنَّ إنطاقَ الجو فجأةً بِدَوِيٍّ هادرٍ من لا شيء، وتبديدَ ظلمته بضوءٍ باهرٍ من نورٍ ونار، وإشعالَ سُحُبٍ أمثالِ جبالٍ من قطنٍ هي بمثابةِ مِضخَّاتِ ماءٍ وثلجٍ وبَرَد، ونحوَ هذه الوضعيَّات الغريبة الحكيمة، لَتَقْرَعُ رأسَ الإنسان الغافل المُكِبِّ على وجهه وتقول له مُنبِّهةً: اِرفع رأسك، اُنظر إلى عجائب ذلك الفعَّال القدير الذي يريدُ أن يعرِّفِ نفسَه، فكما أنك لستَ سدًى، فكذلك هذه الحوادث لا يمكن أن تكون سدًى، بل كلُّ واحدةٍ منها تؤدي وظائفَ ذات حِكَمٍ جمَّة، وتُستَخدَم من قِبَلِ مدبِّرٍ حكيم.

وهكذا سمِعَ هذا المسافرُ الشَّغوف شهادةَ حقيقةٍ ساميةٍ جليَّةٍ في الجو، تركَّبتْ من تسخيرِ السَّحَاب وتصريفِ الرياح وتنزيل المطر وتدبيرِ الحادثات الجوية، فقال: آمنتُ بالله.

وتُعبِّرُ فقرةُ المرتبةِ الثانية من المقام الأول عن مشاهداتِ هذا المسافر فيما يتعلق بالجو، فتقول:

لا إله إلا الله الواجبُ الوجودِ، الذي دلَّ على وجوبِ وجوده الجوُّ بجميعِ ما فيه، بشهادةِ عَظَمَةِ إحاطةِ حقيقةِ التسخيرِ والتصريفِ والتنزيلِ والتدبيرِ الواسعةِ المُكَمَّلةِ بالمشاهدة([2]).

 

اقتباسات من رسالة الآية الكبرى بتصرف

([1]) يسمى المطر في اللغة التركية «رحمةً» اقتباساً من تسمية القرآن له بذلك؛ هـ ت.

([2]) تنبيه: كنتُ أريدُ أن أوضِّح بقدرٍ ما مراتبَ التوحيد الثلاث والثلاثين التي مرَّتْ في المقام الأول، لكنني اضطُرِرْتُ للاكتفاء ببراهينها المختصرة جدًّا وبمجرد ترجمتها بسبب وضعي الصحي وعدم سماح حالتي؛ ولما كانت ثلاثون رسالةً من رسائل النور، بل مئةٌ منها، قد بَيَّنتْ -كلٌّ على حِدَةٍ- قسماً من تلك المراتب الثلاث والثلاثين مع دلائلها بأساليب مختلفة، فإنَّ التفصيلَ يُحالُ عليها؛ سعيد.

 

 

1323 مرة

نفس المواد


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *