موجز عن حياة الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي

  • IMG-20140901-WA0002
    البيت الذي ولد فيه الأستاذ في قرية نورس

– المولد والنشأة:

وُلد بديع الزمان سعيد النورسي في قرية نُوْرْس بولاية بتليس في شرق الأناضول سنة ١٨٧٦، ونشأ في أسرةٍ عُرِفتْ بالتقوى والصلاح؛ فقد كان والدُه المشهور بـ«الصوفي ميرزا» مضرِبَ المثل في الورع، وكانت والدتُه السيدة نُوريَّة فاضلةً عُرِفَ عنها أنها لم تكن ترضع أطفالها إلاّ على وضوء.

– تحصيل العلم المبكر:

أقبل على طلب العلم في سنٍّ مبكِّرة، فتردَّدَ إلى عددٍ من حلقاتِ العلم المنتشرة في المناطق والمدن المجاورة، وحضر مجالسَ أبرزِ شيوخها، ففاق بنجابته ونبوغه أقرانَه، وكان من جِدِّه وعلوِّ همَّته في طلب العلم أنْ حفِظَ عن ظهرِ قلبٍ تسعين كتاباً من أمهات الكتب، وحصَّل من العلم في ثلاثة أشهرٍ ما يحصِّله غيرُه في بضعَ عشرة سنة، فكان لفرطِ ذكائه وقوةِ حافظته وبراعتِه في المناظرة مثارَ إعجابِ شيوخه وأساتذته، وكان ذلك مدعاةً لاشتهاره وهو بعدُ فتى.

وشرَعَ باستظهار القرآن الكريم، فكان يحفظ في اليوم مقدار جزأين منه، حتى إذا بلغ أكثره توقف عن حفظِه وانصرف إلى درسِ معانيه، لئلا تُخِلَّ سُرعة الحفظ باحترام القرآن، ولأن الحاجة إلى معرفة حقائقه أولى وأهم.

وكان له إبَّان فُتُوَّتِه جهودٌ دعوية وجولاتٌ بين العشائر في الشرق للإرشاد والتعليم والإصلاح، أثارتْ بِجِدِّيتها وتأثيرِها مخاوفَ بعض الولاة، فأمر بنفيه وإبعاده من «بتليس» إلى «ماردين»، وكان ذلك في عام ١٨٩٥.

وقد توجَّه بعد النفي إلى «وان» حيث أقام فيها نحو سنتين، استزاد في أثنائها من العلوم الطبيعية الحديثة، فتوفَّر على النظر فيها ودراستها إلى أن بلغَ فيها مبلغاً مَكَّنه من أن يؤلِّف فيها ويناظرَ أهلَها، فأُطلِق عليه من حينِها لقب: «بديع الزمان».

وكان من الأمور التي تركت في نفسه أثراً بالغاً أنه قرأ في العام ١٩٠٠ خبراً عن وزير المستعمرات البريطاني «غلادستون» الذي وقف في مجلس العموم البريطاني وبيده نسخةٌ من المصحف الشريف، مخاطباً النواب بقوله: «ليس بمقدورنا أن نحكم المسلمين ما دام بيدهم هذا القرآن؛ فإما أن ننزعه من يدهم، وإما أن نصرفهم عنه»، فأعلن بديع الزمان من حينه عن العمل الذي سَيَهَبُ له حياتَه:

«لأثبِتَنَّ للعالم ولأُظهِرنَّ له أن القرآن شمسٌ معنويةٌ لا تنطفئ ولا تُطفأ».

سافر إلى إستانبول سنة ١٩٠٧م،وجرَت له مناظراتٌ مع علمائها، فأبهرهم بقوَّةِ حجته ونصاعة بيانه؛

وتقدم بطلبٍ إلى السلطان عبد الحميد لإنشاء جامعةٍ إسلاميةٍ حديثةٍ في شرق الأناضول، سمَّاها «المدرسة الزهراء» تكون على غرار «الأزهر» بمصر، مع تميُّزها عنه بتدريس العلوم الحديثة إلى جانب العلوم الشرعية والعربية، وتكون مهمتها إخراج أجيالٍ ناهضةٍ من المتعلِّمين منوَّرِي القلب والعقل معاً، إلا أن طلبَه هذا لم يلق قبولاً من السلطان ولا من وزير داخليته.

وكانت الدولة العثمانية في تلك الآونة تشهد تحوُّلاتٍ تعصِف ببُنيتها السياسية والاجتماعية، فمن ذلك أن السلطان عبد الحميد أعلن في عام ١٩٠٨ م عن ما يسمى بالمشروطية –أي الدستور- التي اتخذتْها جمعية الاتحاد والترقي مطيَّةً للانقلاب على نظام الدولة؛ وكان للنورسي –بخُطبه ومقالاته- نشاطٌ بارزٌ في توعية الناس من إساءة فهم الحرية وإساءة استخدامها بما يُخالف أسس الشريعة وأحكامها، وفي منع انتشار الفوضى، وفي توحيد صفوف ورصِّها أمام مشاريع الأوربيين وأنشطة الجمعيات السرية الهادفة إلى الإطاحة بدولة نظام الخلافة وتفتيتها.

وبعد أن استولتْ جمعية الاتحاد والترقي على مقاليد الأمور وخَلَعت السلطان عبد الحميد في عام ١٩٠٩، أقامتْ محكمةً عسكريةً لاحقتْ فيها خصومها وحصدتْ أرواحهم على أعواد المشانق؛ وكان بديع الزمان واحداً ممن حُوكموا في تلك المحكمة الرهيبة، لكنْ صدرتْ بحقِّه البراءة من الجلسة الأولى إثر مدافعته الباهرة في جرأتها وقوَّتها وصدْعِها بالحق.

وفي عام (١٩١١م) زار بلاد الشام، وألقى في المسجد الأموي بدمشق خطبةً فذَّةً جامعةً عُرِفَتْ بـ«الخطبة الشامية»، حضرها جمعٌ غفيرٌ من العلماء وطلاب العلم، وقد شخَّصَ فيها بدقَّةٍ الأمراضَ التي أصابت الأمة الإسلامية، ثم قدَّم العلاج من صيدلية القرآن الكريم.

ولما عاد من الشام إلى إستانبول، قابل فيها السلطان محمد رشاد وحصل منه ومن الحكومة على موافقةٍ ودعمٍ لإنشاء الجامعة الزهراء، ووضَعَ حجر الأساس لهذا المشروع في مدينة «وان»، إلا أن اندلاع الحرب العالمية الأولى حالَ دون إكمال المشروع.

صورة جديدة (2)
صورة للأستاذ بعد الحرب العالمية الأولى

– جهاده:

بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى شكَّل بديع الزمان مع طلبته المدرَّبين فرقةً من المتطوعين عام ١٩١٥ رابطتْ على جبهة «القفقاس» الشرقية، وتصدَّت للقوات الروسية وخاضتْ ضدها معارك عدة؛ وفي تلك الأثناء وعلى جبهات القتال هناك ألَّف بديع الزمان تفسيرَه النفيس «إشارات الاعجاز في مظانِّ الإيجاز» من دون مَراجع أو مصادر، فكان يُمْلِيه إملاءً على تلميذه المُلّا حبيب.

وقد أُصِيبَ في إحدى المواجهات إصابةً بالغة فوقع أسيراً بيدِ الروس، ونُفي إلى معسكرات «قوصطرما»، وبقي في الأسر مدة سنتين وأربعة أشهر، ثم تمكن من الهرب منه إثر الثورة البلشفية في روسيا.

وحين عاد من الأسر في عام ١٩١٨ استُقبِل في إستانبول استقبالاً حافلاً، وعُيِّنَ عضواً في «دار الحكمة الإسلامية» التي كانت تضم كبار العلماء والشخصيات؛ وفرضتْ له الحكومة مرتَّباً، ولكنه لم يأخذ منه إلا ما يقيم أَوَده، وأنفق الباقي على طباعة رسائله العلمية التي كان يوزِّعها مجاناً.

ومع وقوع البلاد تحت سطوة المحتل الأجنبي ساهم بديع الزمان بنشاطٍ بارزٍ في التصدي للاحتلال الإنكليزي وفي حركة التحرير الوطنية، ونَشَر رسالته «الخطوات الست» التي كان لها دورٌ مؤثِّر في كشف مخططات المحتل الإنكليزي وتعزيز الانتماء الإسلامي.

وعلى إثر ذلك دَعَتْه الحكومة في عام ١٩٢٢ لزيارةِ أنقرة تقديراً لجهوده، واستُقبِل فيها استقبالاً كريماً، لكنْ ساءَه حالُ كثيرٍ من رجالِ الحكومة وما هم عليه من إهمالٍ لشعائر الإسلامٍ وسلوكٍ مُضادٍّ لأصوله وقِيَمِهِ، فوجَّه بياناً وُزِّعَ وتُلِيَ في مجلس النواب يذكِّرهم فيه بمسؤوليتهم تجاه أمَّتهم، ويحضُّهم فيه على التمسك بأصول الإسلام وشعائره وفي مقدمتها الصلاة.

ومع أنه كان لهذا البيان أثرُه المُجْدي لدى كثيرٍ من النوَّاب، إلا أن مغزاه لم يرُقْ لبعض رجال الحكم في ذلك الحين، وأوجسوا منه الخيفة والحذَر.

ثم إنه لما وَجد مِن هؤلاء بعضَ ما أخبر عنه النبي (صلى الله عليه وسلم) حذَّر من فتنِ آخر الزمان قرَّر مغادرة أنقرة والتوجُّهَ إلى «وان» ليعتزل الحياة الاجتماعية ويخلو في إحدى المغارات على جبل «أرْك».

وكانت الجمعيات السرِّيَّة الملحِدة قد شرعتْ في ذلك الحين بإجراءاتٍ غير مسبوقةٍ في تاريخ الأمة تهدف إلى طمس معالِم الإسلام، والقضاء على هُويَّته، ومَسْخِه في الأذهان والوجدان، فأثارتْ بذلك نِقمة الشعب عليها، ونَجَمَ عن ذلك اندلاعُ ثورةٍ مسلَّحةٍ في شرق البلاد بقيادة الشيخ سعيد بيران؛ فكان من تدابير مواجهتها نفيُ جميع الزعماء والشخصيات البارزة من الشرق إلى أنحاءَ متفرِّقةٍ من تركية؛ فصدرَ في العام ١٩٢٥ أمرٌ بالقبض على بديع الزمان سعيدٍ النورسي ونفيِه من «وان» إلى «بُوْرْدُور» ثم إلى «إسبارطة» في غرب الأناضول، ومنها إلى قريةٍ معزولةٍ تُدعى «بارلا» بغيةَ أن يندرِس أثره ويطويَه النسيان.

– سعيد الجديد:

كان نفيُ بديع الزمان إلى «بارلا» في مطلِع عام ١٩٢٦، وهناك، وعلى أعتابِ العِقد السادس من حياتِه، بدأت المرحلة الثانية من حياته المسمّاة مرحلة سعيد الجديد، حيث ترك الاشتغال بالسياسة بالمطلَق، وتوجَّه توجُّهاً كُليّاً لـ «إنقاذ الإيمان وخدمة القرآن»؛ في جهادٍ معنويٍّ قارعَ به مشاريع الإضلال والإفساد، والزندقة والإلحاد، التي عصفتْ بالبلاد والعباد عشيَّة سقوط دولة نظام الخلافة.

وقد أمضى في «بارلا» نحواً من تسع سنين، ألَّفَ فيها معظم رسائل النور تحت وطأةِ ظروفٍ قاسيةٍ من المرض والرقابة والترصُّد والتضييق.

صورة جديدة
صورة للأستاذ في بداية قدومه لبارلا

وتُعَدُّ «بارلا» المدرسةَ النُّوريةَ الأولى، ومنها انتشرتْ رسائلُ النور في الآفاق؛ وكانت الرسائل في أوَّل الأمر تُسْتَنْسَخ كتابةً بخط اليد، وتُتَداولُ سِرّاً، فيتلقَّاها الناس بلهفةٍ، إذْ يجدون فيها ضالَّتهم وطوق نجاتهم في خِضَمِّ المحنة، وينهلون من كوثرها في زمن القحط المعنوي العصيب، فيعُمُّ نفعُها ويزداد الإقبال عليها واستنساخها باضطراد.

ولما استشعرت الجمعيات السرِّيَّة الملحِدة الخطر الذي يتهددها من تلك الرسائل أمرتْ مِن فَورِها بالقبضِ على الأستاذ ومجموعةٍ من طلابه في سنة ١٩٣٤، فسِيقوا إلى محكمةٍ في «إسكي شهير» قضتْ عليهم بالسجن بموجَبِ تُهَمٍ مُلفَّقة.

ولم تمنع قسوةُ الظروف ولا صرامةُ الملاحقات الأستاذَ بديعَ الزمان من الاستمرار على نهجِه والإصرار على دعوتِه حتى وهو في السجن؛ ثم بعد أنْ خرجَ من سجن «إسكي شهير» عام ١٩٣٦ فُرِضَتْ عليه الإقامة الجبريَّة في «قسطموني»، فتابع دعوتَه من هناك، وحَظي بعد سنتَين بطلابٍ جددٍ صادقين أوفياء تفانَوا في خدمة رسائل النور ونشرِها.

وكان الأستاذُ -وهو في «قسطموني»- يَبعثُ برسائل إلى طلابه في المدن الأخرى كـ«إسبارطة» وغيرها، تحتوي على مسائل قيِّمةٍ وتوجيهاتٍ دعويَّةٍ دقيقةٍ، وقد جُمِعتْ تلك الرسائل كلُّها في كتابٍ بعنوان: «مُلحَق قسطموني».

استُدعِي بديعُ الزمان في سنة ١٩٤٤ إلى محكمة «دنيزلي»، وبرغمِ قضائها ببرائتِه إلا أنه نُفي إلى «أميرداغ» للإقامة الجبرية.

ثم قُبِض عليه مرةً أخرى في سنة ١٩٤٨ليُرسَل هو وطلابه إلى سجن «أفيون»، وبعد أن حوكِموا وصدر الحكم ببرائتِهم، أُطلق من السجن وأعيد إلى «أميرداغ» من جديد سنةَ ١٩٤٩.

ثم قَدِم إلى إستانبول سنةَ ١٩٥٢ ليُحاكَم بخصوص قضية رسالة «مُرشد الشباب»، وأعلنت المحكمة براءتَه، فعاد في سنة ١٩٥٣ إلى «إسبارطة»، وبقى فيها حتى أواخر أيامه.

وأخيراً شَهِدَ العامُ ١٩٥٦ صدورَ الحكم الرسميِّ ببراءة كليات رسائل النور، وقُضِي بردِّ جميع الرسائل التي احتُجِزتْ، فطُبِعتْ كاملةً في سنة ١٩٥٧ ونُشِرتْ في أنحاء البلاد.

وبعد حياةٍ حافلةٍ بالجهاد والفداء، والمصابرة والثبات، توفي الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي(رضي الله عنه ) في الخامس والعشرين من شهر رمضان المبارك سنة ١٣٧٩ هـ الموافق ٢٣ آذار ١٩٦٠م في مدينة «أورفة» ودُفن بها، لكن السلطات العسكرية لم تدعه يرتاح حتى في قبره؛ فقامت بهدمه بعد أربعة أشهر من وفاته، ونقلتْ جثمانه بالطائرة إلى جهةٍ مجهولة، وظلَّ قبره مجهولاً حتى الآن.

 من منشورات مؤسسة وقف الخدمة للطباعة والنشر

4618 مرة

نفس المواد


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *