مختارات من الخطبة الشامية

تنبيه: قَدِمَ بديع الزمان إلى دمشق سنة (1329هـ) – (1911م) فألقى في مسجدها الأموي خطبة شهيرة عرفت بالخطبة الشامية وهي على وجازتها تُشَخِّصُ ما أصاب الأمة الإسلامية من أمراض وترسم لها سبيل الخروج من التخلف الذي تعانيه, وفيما يلي مقتطفات منه:

لقد تعلَّمتُ من زماننا هذا أنَّ الذي أوقفَنا في القرون الوسطى مع طيرانِ الأجانبِ في الترقِّي إلى الاستقبال (أي المستقبل) ستةُ أمراض؛ وهي:
1. حياةُ اليأس.
2. وموتُ الصِّدق.
3. ومحبَّةُ العداوة.
4. والجهلُ بالرَّابطة النُّورانية.
5. والاستبدادُ المتنوِّع الساري.
6. وقَصْرُ الهِمَّة على الشخصية.

* * *

إن التاريخ وهو أصدقُ شاهدٍ على الحقيقة، يُرينا أنَّ بنسبةِ قوةِ الحقيقةِ الإسلاميةِ يتمدَّن أهلُ الإسلام، وبضَعْفها يتوحَّشون ويصيرون في حَيْصَ بَيْص؛ وسائرُ الأديان بالعكس من ذلك: بضَعْفها التمدُّن.. بقوَّتها التوحُّش؛ إلى الآن هكذا مَرَّ الزَّمان.

* * *

إنَّ التاريخ منذ عصرِ السعادةِ إلى الآن لا يُظهِر لنا أن مسلماً قد دخل في دينٍ آخر -عتيقاً أو جديداً- بالمحاكمة العقلية، وبالدَّليل العقلي، وبترجيحه على الإسلامية بالبرهان؛ وأما التقليد فلا عبرة به؛ وأما الخروجُ من الدين فتلك مسألةٌ أخرى.

* * *

إنَّ النوع البشري -لاسيما إذا تَنَبَّه بإيقاظاتِ الفنون المدنيَّة- لا يتعيَّشون ولا يكونون بلا دينٍ هَمَلاً؛ لأنَّ ”نقطةَ الاستناد“ عند مهاجماتِ العاديات الخارجية ومصايبِ العالَم، وأنَّ “نقطةَ الاستمداد” لآمال البشر الغيرِ المحدودةِ الممتدةِ إلى جانب الأبد، إنما هي ”معرفةُ الصانع“ و”الدِّينُ الحقُّ“ في صَدَفِ القلب.

* * *

نحن معاشرَ المسلمين نتَّبِع البرهان، لسنا كمن تركوا التقلُّد بالبرهان لتقليدِ الرُّهبان.

* * *

نعم، إن المانع لاستيلاءِ حقيقةِ الإسلامية على قطعةِ زمانِ الماضي بتمامها هو:
جهلُ الأجانب، ووَحشتُهم، وتعصُّبهم؛ وقد تلاشَتْ بهمَّةِ المعرفةِ والمدنيَّة.
وكذا تقليدُ القِسِّيْسِين، ورياستُهم؛ وقد زالتْ بفكرِ الحريَّة ومَيْلِ تحرِّي الحقيقة.
وكذا استبدادُنا الذي هو ثمرةُ استبدادِ الأجانب علينا، وسوءُ أخلاقنا بسبب مخالفةِ الشريعة وبسبب تقليدِ أوربا ومحبَّتِهم المشؤومة؛ وقد زالتْ قوةُ الاستبدادِ بانتباهِ طبقةِ العوامِّ وحركتِهم، وتزلزلَ سوءُ الأخلاق بانقلابِ محبَّتِهم المشؤومةِ المولِّدةِ للتقليد خصومةً مُنَفِّرةً من التشبُّه بِهِمَّةِ الحَمِيَّةِ المِلِّيَّة.
وكذا توهُّمُ معارضةِ بعضِ مسائلِ الفنون لبعضِ ظواهرِ الإسلامية، وقد زالتْ وتُزال بِهِمَّةِ بعضِ مُحقِّقي الإسلام؛ وأنا أيضاً كتبتُ لدفعِ هذا التوهُّم كتاباً.

*     *     *

إنني أقول ولا أبالي وأَحكُم أنَّ أوروبا حاملةٌ بالإسلامية، فَسَتَلِدُ يوماً ما.

*     *     *

اعلموا أنه قد اجتمع وامتزج في قلب العالَم الإسلاميِّ خمسُ قِوىً لا تقاوَم:

القوة الأولى: أستاذُ كلِّ الكمالات، والتي صَيَّرتْ ثلاثمئةً وثلاثين مليون نَفْسٍ كنَفْسٍ واحدة، المجهَّزةُ بالمدنيَّةِ الحقَّة والفنونِ الصادقة، ألا هيالحقيقةُ الإسلامية.

والقوة الثانية: أستاذُ المدنيَّة والصَّنْعة، المجهَّزةُ بتكمُّل المبادئ والوسائل، ألا هي: الاحتياجُ الشديد، والفقرُ الذي كَسَرَ فَقَاَر ظَهرِنا.

والقوة الثالثة: مُعلِّمةُ المعالي، مُمزِّقةُ الاستبدادات، مُهيِّجةُ الحِسِّيَّاتِ العُلْوية، المُجهَّزةُ بالغبطة والحسَد والتنبُّه التام، مع كوننا في السَّفالة التامَّة، وبشوقِ المسابقة، وميلِ التجدُّد، وميلانِ التمدُّن، ألا وهي الحريةُ الشرعيةُ الممتزجة بمَيْلِ المعالي.

والقوة الرابعة: الشهامةُ الإيمانيَّة المجهَّزةُ بالشفقة؛ أعني أن لا يَتذلَّل ولا يُذلِّل، وهما أساسا الحرية.

القوة الخامسة: عزَّةُ الإسلامية الآمرةُ بإعلاءِ كلمة الله، المتوقِّفِ ذلك الإعلاءُ في هذا الزمان على الترقِّي مادةً، والمدنيَّة حقيقية، كما على تمزيقِ التعصُّب وكَسْرِ العِناد بالسلاح في الماضي.

*     *     *

نعم؛ لمَّا لم تتأسَّسْ مدنيَّةُ الأجانب على الفضيلة والهدى، بل على التَّهَوُّس والهوى، تغلَّبتْ ذنوبُ المدنيَّةِ على حسناتها، فصارتْ مدنيَّتُهم كشجرةٍ مُسَوَّسةٍ بالفِرَق الاختلاليَّة، وهذه الحال مدارٌ لغَلَبَةِ مدنيَّةِ آسيا.

ألَا إنَّ مرادي من المدنيَّة محاسنُها لا ذنوبُها التي تظنونها محاسن.

فيا لَلْعجب! إذا كان الطريق لنا إلى الاستقبال هكذا كسِكَّة الحديد، كيف تقعون في اليأس؟! كيف تظنُّون أن العالَم لكلِّ العالَم عالَمُ  الترقِّي بسرِّ ميل الاستكمال، ولنا خصوصاً دُنيا التدنِّي؟!

فانظروا.. إن الزمان لا يتحرَّك على الاستقامة حتى يتباعدَ المبدأ والمنتهى، بل يدور في حركةٍ ضمن الترقي متصاعداً؛ فبعد كلِّ شتاءٍ ربيع، وبعد كلِّ ليلٍ صباح.

*     *     *

لقد ثبت بالاستقراء التامِّ بجواسيس الفنون أن الخير والحُسْن والكمال هو المقصودُ بالذات، والغالبُ المطلق في نظامِ الكائنات، بدليلِ أن كلَّ فنٍّ من فنونِ الكائنات كشَّافٌ بِكُليَّةِ قواعده عن اتساقٍ وانتظامٍ لا يُعقَلُ أكملُ منه.

والاستقراءُ أنتج أن الشرَّ والقُبحَ والباطلَ جزئيٌّ وتبعيٌّ، ومغمورٌ في الخِلقة ؛ وأن أكرمَ الخلقِ البشرُ، بدليلِ كشفِه لترتُّبِ العِلَلِ المتسلسلةِ في الخِلقة، ومحاكاتِه للخِلقة بصنعته؛وأن الأشرفَ أهلُ الحق، أي الإسلاميةُ بشهادةِ حقائقِها؛ وأن أفضلَ الكلِّ محمدٌ عليه السلام، بشهادةِ أخلاقه ومعجزاته.

فإذا كان هذا هكذا، أيقتدر نوعُ البشر بشقاوته على جرحِ شهاداتِ الفنون، وعلى نقضِ الاستقراءِ التام، وعلى التمرُّدِ في مقابلةِ المشيئةِ والحكمةِ الأزليَّة؟!

فأُنتِجَ من هذا أن الخيرَ والدينَ الحقَّ في المستقبل يكون الغالبَ المطلقَ الذي فيه الخير والفضيلة، حتى يتساوى البشرُ مع إخوانه سائرِ الكائنات؛ ويَحِقُّ أن يُقال: إن نوعَ البشر تَقَرَّرَ فيه سِرُّ الحكمة.

*     *     *

إن ”اليأس“ أشدُّ مرضٍ ألَـمَّ  بالإسلام، وهو الذي قتَلَنا، وأماتَ أخلاقَنا العالية، وكسر قوَّتَنا المعنوية؛ حتى إن المرء بتكاسُلِ غيره يقع في اليأس والفتور، ويَظُنُّ قصورَ غيرِه عذراً لقصوره.

ألَا فلنأخذْ قِصاصَنا من اليأس الذي قتَلَنا، ولنضربْه بسيفِ: ﴿لا تقنطوا من رحمة الله﴾، ولْنكسِر ظهرَه بـ ”ما لا يُدْرَك كلُّه لا يُتْرَك كلُّه“.

نعم؛ إن اليأس سرطانُ الأمم.. ومانعٌ كلَّ الكمالات، ومخالفٌ لِـ (أنا عند ظنِّ عبدي بي)، وشأنُ العَجَزة، وليس من شأنِ شهامةِ الإسلامية، لاسيما العرب ذوي المفاخر؛ اليأسُ الذي ينشأ من العجز.

نعم، توهَّمْنا إيانا سُفَلاء، فتسفَّلْنا.

*     *     *

الكلمة الثالثة التي تَـمَخَّضَها ليَ التحقيقُ أن ”الصِّدْق“ هو أُسُّ أساسِ الإسلامية، ورابطةُ أخلاقها العالية، ومِزاجُ الحِسِّيَّات العُلْويَّة؛ ألَا فأحيوا وداوُوا  ما به قِوام حياتنا.

أجل؛ إن الصِّدْق هو العُقدة الحياتية للإسلامية؛ وما الرياء إلا نوعٌ من الكذب الفعلي؛ وما النفاق إلا صنفٌ من الكذب؛ وما الكذب إلا افتراءٌ على قدرة الصانع.

والكفر كَذِب، والإيمان صِدْق، فالمسافة بين الكذب والصِّدْق فراسخ، كما بين الشرق والغرب، والنارِ والنور.

*     *     *

وبالاستطراد أقول لكم نُكتةً من علم الحديث، وهي أن رواية الصحابة رضي الله عنهم لا تحتاج إلى التزكية؛ فكلُّهم عُدُول، عدالتُهم محقَّقة، لا كالقرون الأخرى فإنهم يحتاجون إلى التزكية.

والسرُّ في هذه الحكمة أن الصِّدْق لما أَظْهر في عصر السعادة كلَّ حُسْنِه، وبُعْدَ درجتِه عن الكذب، وأوقع انقلاباًعجيباً في العالَم؛ فترقَّى محمدٌ عليه الصلاة والسلام بالصِّدْق إلى أعلى عِلِّيِّيْن الكمال، راجَ في سوق العالَم الصِّدْقُ، كما الحريَّةُ الشرعيةُ الآن.

ولما أَظهر الكذبُ نهايَةَ قُبحِه، وغايَةَ بُعْدِهِ عن درجة الصِّدْق، حتى تَسفَّل أمثالُ مُسَيْلِمة الكذَّاب به إلى أسفل سافلين الخِسَّة، كَسَد الكذبُ -كما الجاسوسيةُ الآن- وما صادفَ من يشتريه، فانفرجتِ المسافة، واتَّسَعَ الميدان بين الكذب والصِّدْق؛ فَرَاجَ جوهرُ الصِّدْق، وكَسَدَ الكذبُ متاعُ الغرور.

فإذْ وقع هذا هكذا، تسابَقَ العربُ الذين في فطرتهم مَيْلُ المعالي، وفي طبيعتهم الشَّوقُ إلى أَخْذِ الرائجِ من كلِّ شيء، وفي جِبِلَّتِهم ميلانُ المفاخر، متسارعين إلى أن اشتروا الصِّدْق، وتزيَّنوا بالحق، فرفعوا أعلامَ الشهادة على عدالة الصحابة.

ثم لمّا امتدَّ الزمان وتضايقتِ المسافةُ بين الضِّدَّين بمقدار إصبع، حتى إن الرجل لا يبالي أَيَصْدُق أم يَمِيْنُ، اختلَّتِ الأحوال إلى ما ترون بعين التأسُّف، حتى لو أمعنتم النظر ترون رجالَ السياسة كيف اضطروا -لدفعِ ضررِ الكذب- لتأسيسِ وظائفَ قد تَنْجرُّ إلى التسلسل.

*     *     *

فيا أيها الإخوان.. الصِّدْق هو النجاة، والصِّدْق هو العروة الوثقى؛ وأما الكذب للمصلحة، فالزمانُ نَسَخَـهُ؛ لأن المصلحة -كالمشقة في السفر- ليست بمحدودةٍ حتى تُناطَ بها الأحكام.. إما الصِّدْق، وإما السكوت.

*     *     *

الكلمة الرابعة مما أنتجتها التحقيقات هي ”المحبة“.

أعني أن أجدر شيءٍ بالمحبةِ: المحبةُ، وألْيَقَ صفةٍ بالخصومةِ: الخصومةُ، فإن شئتم أن تخاصموا شيئاً فعليكم بالخصومة، فإنها هي العدوة الغدَّارة.

نعم إن وقت الخصومة قد انقضى، ليس فيها فائدةٌ أصلاً، فلا تغتروا بما سوَّلتْ لكم أنفسُكم بأن خصومتَنا لِسيئاتِ خصمنا.. لا، بل لغروركم ونفسانيَّتكم، فأنتم -من حيث لا تشعرون- بطبعِ الخصومة تنزِّلون وتخفِّفون بل تحقِّرون أسبابَ المحبة التي كالجبال بالنسبة إلى أسباب العداوة.

*     *     *

والمحبةُ والعداوةُ كالضياء والظُّلمة لا تجتمعان حقيقةً؛ إما أن تَغْلِب المحبَّة فتنقلب العداوةُ شفقةً وترحُّماً وتوجُّعاً، وإما العداوةُ تَغلِب فتنقلبُ المحبةُ مُماراةً ومُماشاة.

فأسباب المحبَّة الإيمانُ، والإسلاميَّة، والجنسيَّة، والإنسانية؛ وهي أرجحُ من الجبال؛ وسببُ العداوة بعضُ السيئات الخصوصية كالحُجَيرات، فمن غلب في طبعه العداوةُ بالمسلم فهو كمن يستخفُّ بجبل ”أُحُد“ وقال: هو أصغر من الحصاة.

النتيجةإن المحبة هي مِزاجُ الإسلامية؛ أرى مَثَلَ أهلِ العداوة كمَثَلِ صبيٍّ مُخْتَلِّ المِزاج يريد أن يبكي فيتحرى ما يتباكى به، أفلا تُحسِنون الظنَّ كلَّما أمكن لكم سوءُ الظن؟!

*     *     *

الكلمة الخامسة مما علَّمتْنا الشورى أن الذَّنب الفرد في هذا الزمان ليس ذنباً واحداً، بل يَنوف على ألف، وأن الحسنة المنفردة لا تبقى حسنةً فذَّةً، بل تترقى على ألوف.

وسِرُّه أن الشورى عرَّفتْنا حاكميَّةَ المِلِّيَّة، ومليَّتُنا (أي: قوميَّتُنا) مَجْدُوْلَةٌ مُحْكَمةٌ ممتزجةٌ من روابطِ الإسلامية والعثمانية والعنصرية.

والمِلِّيَّةُ -مع كونها صَدَفَ الإسلاميَّة- رابطةٌ تُصَيِّر عمومَ أهلِ الإسلامِ كعشيرةٍ واحدةٍ يرتبط بعضُها ببعض، ويَشُدُّ بعضُها بعضاً، كأنهم مربوطون بسلسلةٍ نورانيَّة، فكما أن فرداً من عشيرةٍ إذا جنى جنايةً، يُصيِّر أفرادَ العشيرة بتمامها في نظر عشيرةٍ أخرى متَّهَمين كأن كُلَّاً جَنَى، وإذا فَعَل فعلاً حسناً افتخر كلُّ مَنْ في العشيرة به كأنه هو فعله؛ كذلك إنَّ السيئة في هذه الزمان لا تنحصر على صاحبها، بل تتجاوز إلى حقوق ملايين من النفوس.

يا هؤلاء لا تعتذروا بـ”أننا لا نضر، ولا نقتدر على النفع“، كلَّا إن كَسَلانَكم واعتزالكم ضررٌ أيُّ ضررٍ علينا!!

وكذا إن الحسنة لا تتوقف على فاعلها، بل تسري إلى ملايين من النفوس فتُقوِّي رابطة حياتهم.

*     *     *

أيها الإخوان.. لا تظنوني أني قمت لنصيحتكم، بل أدَّعي منكم حقَّنا، لأنَّ منافعنا مربوطةٌ بكم، فبتكاسلكم نتضرر.

يا معشر العرب.. إن أولَ من يخاطَب بهذه الكلام أنتم، بأنكم أساتيذُنا، وكنتم أئمتَنا وحُماةَ الإسلامية، فذنبُكم أعظم وأعظم، وحسنتُكم هي العليا.

ألا لا تتخيلوا أني أَستنهِض الهِمَم للاشتغال بالسياسة، لأنكم لا تقرؤون من بعيدٍ الخطوطَ الدقيقة في حواشي السياسة؛ لأني أتصور هيئةَ الاجتماعية فابْريقةً (أي معملاً أو آلةً) ذاتَ دواليب متآخية، فإن تبطَّأ جَرْخٌ (أي مُسنَّن) أو تجاوز إلى جاره اختلَّتْ ميكانيكية الماكينة.

*     *     *

هذا، وإني بكمال التأسُّف والتلهُّف أقول:

إن الأجانب كما أخذوا أموالَنا الغالية، وأعطَوا بدلَها ثمناً بخساً، كذلك سرقوا أخلاقَنا العالية التي تَنْبُت من معدن الدين الحق، وأعطَوا في مقابَلتِها أخلاقَهم السيئة.

مثلاً، إن الرجل منهم يقول: ”إن أمُتْ فَلْتَحْيَ مِلَّتي (أي أمتي)، فإنَّ لي فيها حياةً باقية“، هذه في الأصل كلمتُنا التي تولَّدتْ من الدين الحق، وهي الأساس المتين لترقِّياتهم، سرقوها منَّا.

ورجلٌ منَّا يقول: ”إن أمُتْ عَطَشاً فلا نزل القَطْر.. إن لم أَرَ فلتكن الدنيا كما شاءت“؛ هذه هي الكلمة الحمقاء التي تولَّدتْ من عدم الدِّين، وعدمِ الإقرار بالآخرة، قد تداخلتْ إلينا.

وأيضاً بفِكْرِ المِلِّيَّة (أي القومية) يصير الفردُ فيهم كالمِلَّة (أي كالأمة)، لأنَّ قيمةَ المرء بنسبةِ هِمَّتِه، ومن همَّتُه مِلَّتُه، فهو برأسه مِلَّة؛ وبَقَصْرِ النظر في بعضنا مع جلالةِ استعدادنا قد يكون الألفُ منَّا كواحد.

من كان همتُّه نفسَه، فليس من الإنسان؛ لأنَّه مدنيٌّ بالطَّبع، يلاحِظ أبناء جنسه.

*     *     *

الكلمة السادسة : إن مفتاح سعادة الإسلامية إنما هو ”الشورى“، وقد ألَّفتُ في حقائقها كتاباً، مَنْ أراد فليرجع إليه؛ وكذلك إن كشَّافَ طالع آسيا، ومفتاحَ قيود الاستبدادات المتنوِّعة على رِجْلِ ثلاثمئةِ مليون من الإسلام، إنما هي الحرية المتولِّدةُ من الشهامةِ والشفقةِ الإيمانية، والمتزيِّنةُ بالآداب الشرعية.

أعني: يقتضي الإيمان أن لا يُذَلِّل ولا يَتَذلَّل.. من كان عبداً لله لا يكون عبداً للعباد.. لا يجعلْ بعضُكم بعضاً أرباباً من دون الله.

نَعَم.. الحريةُ عطيَّة الرحمن، إذ إنها خاصِّيَّة الإيمان.

فَلْيَحْيَ الصِّدْق، ولا عاش اليأس..

فَلْتَدُم المحبة، ولْتقْوَ الشورى..

إنَّ المَلام على من اتَّبع الهوى، والسلامَ على من اتبع الهدى.

هذا النص مقتبس من رسالة الخطبة الشامية المطبوعة في مؤسسة وقف الخدمة للطباعة والنشر 

ملاحظة: فيما يلي صور من الخطبة الشامية التي طبعت في مطبعة أبو الضيا في القسطنطينية عام 1912 وفي صفحاتها تصحيحات الأستاذ بخط يده.

K01

004

007

K02

4230 مرة


نفس المواد


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *