لمحة عن رسائل النور

تتألف رسائل النور من أربعة أقسام كبيرة هي: «الكلمات» «المكتوبات» «اللمعات»، «الشعاعات» وهي بمجموعها مئة وثلاثون رسالة.

إن الحديث عن رسائل النور هو حديثٌ عن موسوعةٍ إيمانية قرآنية فريدة، كُتِبَتْ في لحظةٍ تاريخيةٍ فاصلة، وفي خِضَمِّ مِحَنٍ مُكْفهرَّةٍ واجهتْها أمة الإسلام عشيَّةَ أن انفرط عِقدُ دولة الخلافة، وتسابقتْ دولُ الغرب–من الخارج- في الاستيلاء على أراضيها وتناهُبِ ميراثها المادِّي والمعنوي؛ وفتكتْ بها –من الداخل- الحركاتُ السرِّيَّة الهدَّامة، فمضَتْ تحارِب شعائر هذا الدين، وتُقصي شرائعه، وتطمِس معالِمه أنَّى وُجدتْ، في الأوطان والأذهانِ والوجدان.

أجل، ففي غياهِبِ تلك المِحن أُمْلِيَتْ رسائلُ النورِ ودُوِّنَتْ، فكانت السَّدَّ المعنويَّ في وجه طوفان الكفر والإلحاد؛

وفي لُجَّةِ تلك الجاهليَّة قُرِئَتْ ونُشِرَتْ، فأنقَذَتْ أمَّةً من أودية الضلال والفناء؛

ومن بينِ تلك الظلماتِ بَزَغَتْ، فكان لها من اسمها النصيب الأوفى؛

ولإنسانِ هذا العصرِ توجَّهتْ، فخاطبتْه أصدَقَ وأبلغَ ما يكون الخِطاب؛

وكانت مِصداقَ الجهاد المعنوي الذي وهب له الأستاذ النورسي حياتَه من أجلِ «إنقاذ الإيمان، وخدمة القرآن».

وبما أنها –كما يقول الأستاذ النورسي– ليست مسائل علمية عقلية مجردة، بل مسائل إيمانية قلبية وروحية ومعارف إلٰهية نفيسة، فإن من أخصِّ ما تمتاز به في هذا الصدد أنها لا تعرض مسائل الإيمان ومباحثَ العقيدة كما تعرضها كتب علم الكلام والعقائد، وإنما تسلك بقارئها طريقاً قاصِداً مستلهَماً من القرآن الكريم، فتجعله يقرأ دلائل التوحيد في سطور الكائنات، ويشهَد براهين الإيمان حيثما قلَّبَ بصره في الموجودات، فيبصر آيات الله الآفاقية والأنفسية أنَّى توجَّه.

ثم إنها لا تجعل من أركان الإيمان ومسائلِه قضايا نظريَّةً أو جدليَّاتٍ فكريَّة، بل تتناول الإيمان باعتباره حاجةَ الإنسان الفطريَّة وروحَ حياته، وتنهضُ بالإجابة عن الأسئلة الكبرى التي ما فتِئَتْ تؤرِّق ذهنَ كلِّ إنسان: من أنا؟ ومن أين أتيتُ؟ وإلى أين سأمضي؟ وما وظيفتي في هذه الحياة؟

فإذا بها تَلِجُ أعماقَ ذاتِه، فتبدِّد بنورِ الوحي ظلماتِ حَيرته واضطرابَه، وتبني بمُحكَمات البراهين وقواطعِ الأدلَّة ركائزَ عقله وفِكره، وتروي باليقين والطمأنينة ظمأ قلبه، وتداوي بالموعظة الحسَنة الصادقة الشَّفّافةِ سِقام روحه وتُعتِقُها من إسارِ المادَّة المُضني؛

وإذا بقارئها يرتقي شيئاً فشيئاً من إيمانٍ تقليديٍّ كان يردِّده اللسان، إلى إيمانٍ تحقيقيٍّ نابضٍ بالحياة مَوَّارٍ بالحركة، يملأ الوجدان ويَغمُر الكيان.

ويفسِّر الأستاذ النُّورسي هذه المزيَّة فيصِف رسائل النور بقوله: إنها تصديقٌ لا تصوُّر؛ وإيمانٌ لا تسليم؛ وتحقيقٌ لا تقليد؛ وشهادةٌ وشهودٌ لا معرفة؛ وبرهانٌ ضمن الدعوى لا ادِّعاء.

وإن مما تمتاز به هذه الرسائل أيضاً أنها لا تورِد على قارئها ما يشوِّش ذهنَه من الشُّبهات والأغاليط حتى وإن كان بغرض الردِّ عليها؛ وإنما تقدِّم له رأساً ترياقَها المانع ودوائها الناجع، بما ترسِّخه من الحقائق الأصيلة، والقواعد المتينة؛ فتجعلُه في حِرزٍ من الزَّيغ والاضطراب.

ثم إنها فضلاً عن بيانها الذي لا يجافي علومَ العصر -لا بل إنها ترى في العلوم الحديثة ما يعزِّز الإيمان وينفع الإنسان- لا يجد فيها المرءُ شيئاً من تكلُّفِ تنميق الألفاظ أو حشوِ فضول الكلام، وإنما هي حقائقُ سامية، ومشاهداتٌ صادقة، ومكابَداتٌ محقَّقة، تنسابُ في عباراتٍ مكتنزةٍ بالمعنى، فيأخذ بنصيبه منها كلُّ قارئٍ مهما عَلَتْ منزلتُه أو دَنَتْ.

فلا غَرْوَ بعد هذا أن نجدها قد غدتْ طوقَ النجاة لإيمانِ الأجيال في هذا الزمان، تنتشلهم من تِيه الشكِّ والحيرة، وتسكب في قلوبهم اليقين والطمأنينة؛

ولا غَرْوَ أن نراهم قد جعلوها وِرْدهم ومَنْهَلَهم، ومحور اهتمامهم ومُدارَسَتِهم، إذْ وجدوا فيها مَعيناً من المعاني لا ينضُب، وموقِظاً من سُباتِ الغفلة لا يَفتُر، ومُربِّياً حاذقاً يهذِّب الوجدان، ويقوِّم السلوك، ومرشداً يصفِّي الأرواح ويسمو بها.

ولقد كان من ثمراتِ رسائل النور كذلك أنْ خرَّجتْ –وما تزال تُخرِّج- أجيالاً من شبابٍ مؤمنٍ جادٍّ وعى دورَه ومُهمَّته في هذه الحياة، فصانَ نفسه عن حياة العبث والرذيلة، ونجا بفكره من مُضلَّات الفِتَن والأهواء، وأخذ بمعالي الأمور وترفَّع عن سَفْسافِها، وانصرف إلى القيام بما يعنيه، فإذا به يقدم نموذجاً يُحتذى في إصلاح المجتمعات والنهوض بالأوطان.

فلا عجَب بعدئذٍ أن تُتَرجَم فتُقرأ بشتى اللُّغات، وأن تنتشر «مدارِس النُّور» بمنهجها الخالص دعوةً وتآخياً وتفانياً لا في أرجاء تركية وحدها، ولا في أصقاع العالَم العربي والإسلامي فحسب، بل في أنحاء العالَم وأقاصيه.

ثم إن رسائل النور كما يصفها الأستاذ النُّورسي: «تفسيرٌ معنوي للقرآن الكريم» في هذا العصر، و«لمعةٌ من لمعات إعجازه»؛

ذلك أن تفاسير القرآن نوعان:

فنوعٌ يُعنَى ببيان معاني ألفاظه وآياتِه، ويقِفُ على أسباب نزوله وحالاتِه، ويستخرِج منه أحكامه وإرشاداتِه، وهذا النوع هو الشائعُ بين التفاسير؛

أما النوع الآخر فيتوجَّه إلى مقاصد القرآن الكبرى وحقائقه العظمى، من التوحيد والنبوَّة والإيمان والآخرة والحشر والجزاء، مُستجلياً معانيها، كاشفاً عن دقائقها، مُحلِّقاً في آفاقها.

وهذا النوع الآخر من التفسير وإن وُجِد على نحوٍ مُجمَلٍ في تفاسير النوع الأول، إلا أن رسائل النور قد جعلتْ منه ركيزتها وأساسَها، فاجتمع فيها ما تفرَّق في تفاسير شتى، وحَوَتْ من الدقائق واللطائف ما لا يوجد في غيرها من المؤلفات، فقرَّبتْ قارئَها من القرآن متجاوزةً به قيود الزمان والمكان، وعقدَتْ بين القرآن وبين تاليه صلةً وثيقةً من حيث كونه الخطاب الأزليَّ المتوجِّه لكل إنسان، فكانت سبَّاقةً مجدِّدةً تستجلي نور الوحي والنبوَّة لأبناء هذا العصر.

من منشورات مؤسسة وقف الخدمة للطباعة والنشر

11053 مرة

نفس المواد


أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *